أخبار

من خاشقجي إلى نيوكاسل: جيمس مونتاغو يروي قصة الرياضة والسلطات في السعودية

تاريخ النشر:2026-01-05

يرى الكاتب والصحافي البريطاني جيمس مونتاغو أن ما تفعله السعودية اليوم في عالم الرياضة يتجاوز حدود الاستثمار التقليدي، ليصل إلى كونه أحد أكثر التحولات الجيوسياسية تأثيرًا في العصر الحديث. في كتابه الحائز إشادة نقدية واسعة Engulfed، يتتبع مونتاغو خيوط الإنفاق السعودي الضخم على كرة القدم والملاكمة والغولف، محاولًا الإجابة عن سؤال محوري: لماذا قررت المملكة أن تضخ مليارات الدولارات في الرياضة بهذه السرعة والحجم؟
خلال سنوات قليلة، أحدثت السعودية تغييرًا جذريًا في ملامح الرياضة العالمية. فمن الاستحواذ على نادي نيوكاسل يونايتد، إلى إنشاء دوري LIV للغولف الذي هزّ أركان جولة PGA، وصولًا إلى الفوز بحق استضافة كأس العالم 2034، نجحت المملكة — بدعم شخصيات سياسية غربية نافذة مثل بوريس جونسون ودونالد ترامب — في فرض نفسها لاعبًا لا يمكن تجاهله.
هذه الاستثمارات لم تكن منفصلة عن «رؤية 2030» التي يقودها محمد بن سلمان، والهادفة إلى تنويع الاقتصاد السعودي وجذب السياحة والاستثمار الأجنبي، وتقليل الاعتماد على النفط. غير أن مونتاغو يشير إلى أن الخطة في بداياتها لم تكن تتضمن هذا الانغماس العميق في الرياضة.
المنعطف الحاسم، بحسب الكاتب، جاء بعد مقتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018، وهي الجريمة التي سببت ضررًا بالغًا لصورة السعودية عالميًا. ويجادل مونتاغو بأن القفزة الهائلة في الإنفاق الرياضي التي أعقبت الحادثة لم تكن مصادفة، بل جزءًا من استراتيجية واعية لإعادة تأهيل السمعة الدولية.
يقول مونتاغو في حديثه لموقع The 42:
«هذه ربما أكبر قصة في الرياضة اليوم، وربما في السياسة أيضًا: صعود أنظمة استبدادية، مثل السعودية، وقدرتها المتزايدة على التأثير في الغرب، إلى درجة أن الاقتصاد والمجتمع الغربيين باتا يعكسان نماذجها أكثر مما يعكسان القيم الديمقراطية».
زار مونتاغو السعودية لأول مرة في أواخر العقد الأول من الألفية، ويصف التحول الاجتماعي الذي شهده بأنه «صادم». فمن مجتمع شديد الفصل بين الجنسين ومقيّد الحريات، إلى واقع أكثر انفتاحًا تُشارك فيه النساء في سوق العمل، ويقدن السيارات، ويحضرن المباريات الرياضية إلى جانب الرجال.
لكن هذا الانفتاح الاجتماعي، وفق مونتاغو، لم يواكبه انفتاح سياسي. فبينما تغيرت أنماط الحياة اليومية، بقي القمع السياسي حاضرًا، مع استمرار الاعتقالات والإعدامات واستهداف المعارضين. ويؤكد أن كثيرًا من النشطاء السعوديين في المنفى يرون أن البلاد «لم تصبح أكثر حرية سياسيًا، رغم كل مظاهر التحديث».
ويضع مونتاغو التجربة السعودية في سياق أوسع، مشيرًا إلى تشابهها مع ما قامت به قطر والإمارات عبر الاستثمار في أندية أوروبية كبرى واستضافة بطولات عالمية. غير أنه يرى أن جريمة خاشقجي شكّلت عامل تسريع حاسم دفع السعودية إلى تبني استراتيجية رياضية بهذا الحجم.
ويعتبر الكاتب أن الاستحواذ على نيوكاسل يونايتد كان لحظة مفصلية أعادت السعودية إلى قلب النقاش العالمي. وينقل عن خديجة جنكيز، خطيبة خاشقجي، توصيفها للصفقة بوصفها محاولة واضحة لإعادة تأهيل صورة محمد بن سلمان. ويذهب مونتاغو إلى أن هذه المحاولة نجحت إلى حد بعيد، إذ تراجعت قضية خاشقجي عن واجهة الاهتمام العام مع تصاعد الزخم الرياضي.
لكن المسؤولية، برأيه، لا تقع على السعودية وحدها. فالسياسيون والرياضيون والمؤسسات الغربية كما يقول  قبلوا المال دون طرح أسئلة أخلاقية جادة. ويطرح سؤالًا محرجًا: هل تكشف هذه الظاهرة خللًا أخلاقيًا في سلوك السعودية، أم في استعداد الغرب لغض الطرف؟
ويخصص مونتاغو فصلًا كاملًا لتحليل ردود فعل جماهير نيوكاسل، حيث يرصد انقسامًا بين مؤيدين متحمسين، ومعارضين صريحين، وأغلبية صامتة تشعر بعدم الارتياح لكنها عاجزة عن الانفصال عن نادٍ يشكل جزءًا من هويتها العائلية والاجتماعية.
وفي مفارقة لافتة، يذكر الكاتب أن حتى بعض العاملين في منظمات حقوقية معارضة لـ«تبييض الرياضة» لم يتمكنوا من قطع علاقتهم بالنادي، ما يعكس برأيه عمق الإشكال الأخلاقي الذي تفرضه هذه الظاهرة.
ولا يقتصر طموح السعودية على الرياضات التقليدية. فمونتاغو يرى أن الاستثمار الأهم، والأقل تناولًا إعلاميًا، هو في مجال الرياضات الإلكترونية. ويصف ولي العهد بأنه «لاعب ألعاب إلكترونية قبل أي شيء آخر»، مشيرًا إلى أن السعودية تضخ في هذا القطاع أموالًا تفوق مجمل استثماراتها في كرة القدم والغولف والملاكمة مجتمعة، إدراكًا منها لإمكاناته الاقتصادية الهائلة.
ورغم كل ذلك، يذكّر مونتاغو بأن القمع لا يزال حاضرًا، مستشهدًا بقضايا مثل اعتقال عمر وسارة الجابري، وسجن الناشطة لجين الهذلول، واستخدام أفراد العائلة وسيلة للضغط على المعارضين في الخارج.
وفي ظل المناخ الجيوسياسي الحالي، وعودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، لا يرى الكاتب أفقًا حقيقيًا لممارسة ضغط دولي فعّال على السعودية. ويختم بصورة رمزية من واشنطن، حيث تداخلت في مشهد واحد فيفا، والحكومة الأميركية، والوفد السعودي، وشارع يحمل اسم جمال خاشقجي، متسائلًا: أي قوة يمكنها اليوم إيقاف هذا المسار؟