في خطوة تروّج لها الرياض باعتبارها إنجازاً ضمن «رؤية 2030»، افتتحت المملكة العربية السعودية مدينة ملاهٍ بتكلفة تقارب مليار دولار، غير أن هذا الافتتاح لا يبدد، وفق صحيفة فايننشال تايمز، الشكوك المتزايدة حول جدوى وكلفة المشاريع العملاقة التي تراهن عليها البلاد لإعادة تشكيل اقتصادها.
وتقول الصحيفة إن السعودية أصبحت موطناً لما تصفه شركة «سيكس فلاجز» الأميركية بأطول وأسرع أفعوانية في العالم، بعد افتتاح أول مدينة ترفيهية للشركة خارج أميركا الشمالية ضمن مشروع «القدية» قرب الرياض. إلا أن هذا النجاح الجزئي يأتي بعد سنوات من التأخير، وفي سياق أوسع من الانتكاسات التي طالت مشاريع مستقبلية أخرى.
ويُعد افتتاح «سيكس فلاجز القدية» أول تشغيل فعلي لمشروع أُعلن عنه عام 2018 وكان من المفترض افتتاح مرحلته الأولى في 2022، ما يعكس، بحسب فايننشال تايمز، الفجوة بين الجداول الزمنية الطموحة والواقع التنفيذي على الأرض.
ويمتلك المشروع صندوق الاستثمارات العامة، الذراع الاستثمارية للدولة، الذي يستخدمه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كأداة رئيسية لدفع برنامج تنويع اقتصادي ضخم. غير أن الصحيفة تشير إلى أن هذا الصندوق نفسه اضطر العام الماضي إلى شطب نحو 8 مليارات دولار من قيمة بعض مشاريعه، في مقدمتها مشروع «نيوم» الذي وُصف طويلاً بأنه حجر الزاوية في الرؤية السعودية.
وتلفت فايننشال تايمز إلى أن توقيت الافتتاح ليس معزولاً عن الضغوط المالية المتزايدة التي تواجهها المملكة، في ظل تراجع نسبي في عوائد النفط، وتكاليف هائلة مرتبطة باستضافة فعاليات عالمية كإكسبو 2030 وكأس العالم 2034. وقد دفع ذلك السلطات إلى إعادة النظر في أولويات الإنفاق، بعد سنوات من الإعلانات الطموحة غير المكتملة.
ورغم تأكيد المسؤولين أن «القدية» ستوفر آلاف الوظائف وتضيف مليارات الريالات إلى الناتج المحلي، فإن الصحيفة تطرح تساؤلات حول مدى واقعية هذه التقديرات، خاصة مع اعتماد المشروع بشكل أساسي على إنفاق الزوار، في بلد لا تزال فيه القدرة الشرائية والطلب المستدام على الترفيه عالي الكلفة محل نقاش.
كما تشير الصحيفة إلى أن الإقبال المحلي في أيام الافتتاح، رغم كونه لافتاً، لا يعكس بالضرورة نجاحاً اقتصادياً طويل الأمد، بل قد يكون مدفوعاً بفضول التجربة الأولى والدعم الحكومي غير المباشر، في وقت تبلغ فيه أسعار التذاكر مستويات مرتفعة مقارنة بمتوسط الإنفاق الترفيهي.
وتنقل فايننشال تايمز عن باحثين أن اكتمال مدينة ملاهٍ، مهما كان حجمها، لا يعادل تنفيذ مدن مستقبلية كاملة أو مشاريع حضرية عملاقة تتطلب استثمارات بعشرات المليارات، محذّرين من أن الفجوة بين الطموح والتنفيذ قد تتسع إذا استمرت الضغوط المالية.
وتخلص الصحيفة إلى أن افتتاح «سيكس فلاجز القدية» يمنح السلطات السعودية مادة دعائية تحتاجها بشدة، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: هل تستطيع المملكة تحمّل كلفة رؤيتها العملاقة وتحويلها إلى مشاريع مستدامة اقتصادياً، أم أن بعض هذه المشاريع ستظل رموزاً طموحة أكثر منها استثمارات قابلة للاستمرار؟