بحسب مركز آرك للدراسات، تعود جذور الأزمات الاقتصادية المتفاقمة التي تعاني منها البلاد—كالبطالة والفقر والتضخم والهدر المالي وضعف التنافسية—إلى هيمنة نموذج الاقتصاد الريعي، الذي أسهم في إنتاج اختلالات هيكلية عميقة طالت مختلف جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
ووفقاً لتحليل صادر عن المركز، لم تقتصر آثار الريع على المؤشرات الاقتصادية فحسب، بل امتدت لتشمل اختلالاً صارخاً في توزيع الثروة، واتساع الفجوة بين طبقة محدودة من المحظيين الأثرياء وغالبية من المواطنين الذين يعانون من التهميش وتراجع مستويات المعيشة. كما أشار التحليل إلى إقصاء القوى العاملة الوطنية من سوق العمل في القطاع الخاص، واستبدالها بملايين العمالة الأجنبية، كثير منها يفتقر إلى التأهيل، ما فاقم معدلات البطالة وزاد من الأعباء المالية على الدولة.
وسلّط مركز آرك الضوء على البعد السياسي للمشكلة، موضحاً أن النظام السياسي المستبد، القائم على احتكار السلطة والانفراد بصناعة القرار، لعب دوراً مركزياً في ترسيخ هذا النموذج الاقتصادي، من خلال تهميش المشاركة الشعبية وحرمان المواطنين من حقوقهم المشروعة في التمثيل والانتخاب، والاستمرار في تبني سياسات فاشلة رغم تفاقم الأزمات وتحولها إلى تهديدات بنيوية تطال استقرار النظام نفسه.
ويعرّف المركز الريع بأنه الدخل المتأتي من استغلال الموارد الطبيعية المملوكة حصرياً للدولة دون جهد إنتاجي حقيقي، باستثناء تكاليف الاستخراج والنقل. ويشير إلى أن احتكار النظام السياسي لعوائد النفط والغاز والمعادن، في ظل غياب الرقابة والمساءلة، أدى إلى أنماط إنفاق اتسمت بالهدر، وتوجيه الموارد نحو أصول غير إنتاجية، مثل القصور والسلع الكمالية والتحف الفنية، لتلبية مصالح ورغبات النخب السياسية الفاسدة.
أما الجزء المتبقي من هذه العوائد، فقد استُخدم في تمويل الإنفاق الحكومي على البنى التحتية ورواتب الموظفين والخدمات العامة، في حين لم تحظَ القطاعات الإنتاجية إلا بنصيب محدود، لم يسلم بدوره من النهب عبر مشاريع وهمية تقودها شبكات من المتنفذين. ويشير التقرير إلى أن محاولة النظام لاحقاً معالجة مخاطر الاعتماد على مورد ناضب، عبر تفعيل “صندوق الاستثمارات العامة”، لم تحقق أهدافها، نتيجة سوء الإدارة وغياب الشفافية، على عكس تجارب دولية ناجحة مثل الصندوق السيادي النرويجي. وبدلاً من ذلك، أسهم الصندوق المحلي في مراكمة الديون وتمويل استثمارات عالية المخاطر ذات عوائد محدودة.
كما بحسب مركز آرك، امتد الريع إلى القطاع الخاص من خلال منح امتيازات حصرية لمستثمرين يتمتعون بنفوذ سياسي، ما منحهم أفضلية غير عادلة في السوق، وأدى إلى تشوهات في بيئة الاستثمار، وربط النشاط الاقتصادي بالفساد والمحسوبية. وأسهم ذلك في توجيه الموارد نحو مشاريع سريعة الربح قصيرة الأجل، على حساب المشاريع الصناعية طويلة الأمد ذات القيمة المضافة العالية.
وفي السياق ذاته، أشار المركز إلى أن نظام استقدام العمالة الأجنبية تحول إلى مصدر ريع ضخم لفئات نافذة، رغم ما يسببه من استنزاف للاقتصاد الوطني عبر تحويلات مالية هائلة إلى الخارج، إضافة إلى إقصاء المواطنين من سوق العمل. كما لفت إلى احتكار مساحات واسعة من الأراضي من قبل شخصيات نافذة، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أسعار العقارات، وجعل البلاد من بين أدنى الدول في نسب تملك المواطنين لمساكنهم.
ويخلص تحليل مركز آرك إلى أن تحصين الاقتصاد الوطني من الآثار السلبية للريع يمثل شرطاً أساسياً لأي إصلاح حقيقي، مؤكداً أن الاكتفاء برفع شعارات مثل “مرحلة ما بعد النفط” و“مكافحة الفساد” يعكس إدراكاً نظرياً بحجم المشكلة، دون أن يُترجم إلى حلول عملية، وهو ما تثبته تجارب سابقة وخطط تنموية أخفقت في تحقيق أهدافها.
وفي هذا السياق، يرى المركز أن النظام السياسي القائم على الاستبداد واحتكار القرار عاجز بطبيعته عن تلبية تطلعات المواطنين وحماية المصالح الوطنية العليا، مشدداً على أن الانتقال إلى مستقبل مختلف يمر عبر تحقيق “مرحلة ما بعد الاستبداد” بوصفها المدخل الحقيقي لبناء اقتصاد منتج، عادل، ومستدام.