أخبار

نيوم… حين تصطدم أوهام “رؤية المستقبل” بواقع العجز المالي وسوء التخطيط

تاريخ النشر:2026-01-27

قالت صحيفة «ذا تايمز» البريطانية إن السلطات السعودية بدأت عمليًا التراجع عن أحد أكثر مشاريعها إثارة للجدل، بعدما أصدر ولي العهد محمد بن سلمان توجيهًا بإعادة تقييم مشروع «نيوم»، في خطوة تعكس اعترافًا ضمنيًا بفشل الرهانات العملاقة التي رُوّج لها بوصفها نموذجًا لمدن المستقبل.
وأشارت الصحيفة إلى أن المراجعة الجارية قد تؤدي إلى تقليص مشروع «ذا لاين» أو إعادة صياغته بصيغة أقل طموحًا، وربما تحويل التركيز نحو مشاريع أكثر تواضعًا مثل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بعد أن تبيّن أن التصورات الأصلية تجاوزت القدرات المالية والتنفيذية للدولة.
ولفتت «ذا تايمز» إلى أن المشروع، الذي قُدّم على أنه حل جذري للنمو السكاني في المملكة، تحوّل إلى مقامرة باهظة الكلفة، إذ كان من المتوقع أن تصل تكلفة «ذا لاين» وحده إلى مئات المليارات من الدولارات، في وقت تواجه فيه السعودية عجزًا متكررًا في الميزانية مع تراجع أسعار النفط وتضخم الإنفاق العام، ما دفع الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة إلى إعادة النظر في أولويات الصرف.
وأوضحت الصحيفة أن التعثر لم يقتصر على «ذا لاين»، بل شمل مشاريع أخرى ضمن «نيوم» وُصفت منذ البداية بأنها أقرب إلى الاستعراض الدعائي منها إلى التخطيط الواقعي، مثل مشروع «تروجينا» للتزلج بالثلوج الاصطناعية، الذي كان من المفترض أن يستضيف دورة الألعاب الآسيوية الشتوية عام 2029، قبل أن يتضح أنه لن يكون جاهزًا في موعده.
كما أشارت إلى أن مشروع «أوكساگون» الصناعي العائم لم يتجاوز مرحلة الوعود، في حين لم يُفتتح من «نيوم» حتى الآن سوى منتجع «سندالة» لليخوت، الذي اعتُبر إطلاقه العام الماضي فشلًا مكلفًا، وانتهى بإقالة الرئيس التنفيذي للمشروع بعد حفل افتتاح بذخي حضره مشاهير عالميون، في مشهد عكس انفصالًا واضحًا بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي.
وذكرت «ذا تايمز» أن أرقام الإقبال على منتجع «سندالة» جرى تضخيمها خلال الافتتاح، في محاولة لتسويق نجاح وهمي، ما أثار تساؤلات حول الشفافية والمساءلة داخل واحد من أكبر المشاريع التي يشرف عليها صندوق الاستثمارات العامة.
وبيّنت الصحيفة أن إعادة التقييم تأتي في وقت تحاول فيه السعودية إعادة توجيه استثماراتها نحو قطاع الذكاء الاصطناعي، في مسعى لمنافسة الإمارات إقليميًا، بعد أن بدأ بريق مشاريع “المدن المستقبلية” في التراجع.
وفي سياق متصل، لفتت «ذا تايمز» إلى أن الإصلاحات الاجتماعية التي روّجت لها السلطات، مثل تقليص نفوذ المؤسسة الدينية والسماح للنساء بالقيادة، لم تحجب الانتقادات الواسعة لسجل حقوق الإنسان، في ظل حملة قمع طالت معارضين وناشطين، صدرت بحق بعضهم أحكام بالسجن لعقود بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
في المحصلة، تقدّم «نيوم»، كما توضح الصحيفة، نموذجًا صارخًا لسياسات تقوم على الطموح غير المحسوب، والقرارات الفوقية، واستخدام المال العام لبناء صورة سياسية سرعان ما تتهاوى عند أول اختبار اقتصادي حقيقي.