في تحليل عميق يكشف هشاشة الخطاب الرسمي وسقوط رهانات السلطة المطلقة، سلطت الأكاديمية البارزة الدكتورة مضاوي الرشيد الضوء على تداعيات التورط السعودي المتجدد في أتون النزاعات الإقليمية، وذلك في حلقة جديدة من بودكاست «بادلاندز» (Badlands) مع الصحفي الدولي برزو دره آي.
المقابلة التي فككت بدقة تحولات السياسة الخارجية وتخبطات الإدارة الفردية، وضعت الإصبع على مواضع الخلل البنيوي والاستراتيجي الذي تعاني منه الرياض.
أبرز ما جاء في قراءة الدكتورة مضاوي الرشيد:
سقوط أسطورة "الأمن الزائف"
أكدت الدكتورة مضاوي أن الأحداث أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك تهاوي ما يُعرف بـ «الأمن الزائف» الذي لطالما تغنت به القيادة الخليجية عبر ضخ تريليونات الدولارات لشراء الأسلحة والتكنولوجيا من الولايات المتحدة. وأشارت بسخرية إلى المفارقة المتمثلة في عجز السعودية عن حماية مطاراتها المدنية وأجوائها أمام صواريخ الحوثيين، رغم كل هذا الإنفاق الهائل، مقارنة تاريخياً بحجم الاعتماد الكامل على القوات الأمريكية إبان غزو الكويت.
وتناولت الرشيد استمرار تورط ولي العهد في الملف اليمني، مشيرة إلى أن سبع سنوات من القصف المدمر لم تحقق سوى الخراب وفشلت في اجتثاث حركة "أنصار الله" (الحوثيين). وأكدت أن تضاريس اليمن الجبلية الوعرة وتاريخه العصي على الهيمنة الخارجية تجعل أي تفكير بغزو بري أو فرض سيطرة عسكرية أمراً مستحيلاً ومثيراً للسخافة، لافتة إلى أن الاكتفاء بالضربات الجوية ضد القرى والأسواق لا يمثل حلاً سياسياً ولن يجلب الاستقرار.
وصفت الرشيد التسريبات والأطروحات حول إمكانية استعانة الرياض بفصائل مسلحة سورية (مثل هيئة تحرير الشام) لقتال اليمنيين بأنها «أفكار واهمة ومثيرة للسخرية»، مؤكدة أن مثل هذه المغامرات لن تحسم صراعاً على أرض يمنية صلبة، بل ستجر المنطقة إلى المزيد من إراقة الدماء والفوضى.
الجذور التاريخية والنظرة الاستعلائية
سلطت المقابلة الضوء على الخلفية التاريخية للسياسة السعودية تجاه اليمن، موضحة أن الرياض سعت دائماً لإبقاء جارتها دولة ضعيفة وتابعة عبر سلاح المال والرشاوى السياسية لبعض القيادات القبلية. كما كشفت الرشيد عن وجود رواسب لنظرة استعلائية تاريخية وتهميش مجتمعي تجاه العمالة اليمنية منذ عقود طويلة، ومعاملتهم بدونية تنعكس حتى في الخطاب الثقافي والاجتماعي السائد.
وفي ردها على تساؤلات المحاور حول صدى هذه المغامرات في الشارع السعودي، أوضحت الدكتورة مضاوي أن رصد الرأي العام بدقة يظل أمراً بالغ الصعوبة في ظل القبضة الأمنية الحديدية وقانون الترهيب الذي يمنع المواطنين حتى من التعبير عن آرائهم على وسائل التواصل الاجتماعي. غير أنها أكدت أن حالة من التململ والبلبلة والذهول تسود الصدور إزاء زجّ البلاد في صراعات تعرض أمنها واستقرارها للخطر المكشوف.
تأتي مقابلة الدكتورة مضاوي الرشيد مع الصحفي برزو دره آي لتضع نقاط الحقيقة على حروف الواقع المرير؛ فصوت العقل الأكاديمي والسياسي يعري زيف الدعاية الرسمية، ويثبت أن الحكم الفردي المطلق الذي يستأثر بالقرار السياسي والعسكري والاقتصادي بمعزل عن الشفافية والمساءلة والشراكة الشعبية، يورد البلاد موارد الهلاك، ويكبد المواطن فاتورة باهظة من أمنه واقتصاده ومستقبل أجياله.