في حوار سياسي وحقوقي رفيع المستوى عبر برنامج «منبر عربي» الذي تقدمه الإعلامية أ. ملاك , حلّ الأمين العام لحزب التجمع الوطني الدكتور عبدالله العودة ، نجل الداعية المعتقل الشيخ سلمان العودة- فرج الله عنه- ضيفاً استثنائياً ليقدم قراءة تفكيكية شاملة وعميقة للمشهد السعودي والإقليمي.
تطرق الحوار إلى أبعاد ومحاور مفصلية كشفت زيف السرديات الرسمية، وتناولت واقع السجون الموازية، وانكشاف الرهانات الأمنية والتطبيعية، وصولاً إلى استراتيجية المعارضة الوطنية وجاهزيتها لبناء "الاستقلال الثاني" ومؤسسات البديل الوطني وفق مبدأ سيادة الشعب.
المحور الأول: جحيم العزل الانفرادي والسجون الموازية والابتزاز العائلي
قضية الشيخ سلمان العودة: بين د. عبدالله أن والده يرزح منذ تسع سنوات في عزل انفرادي تام، محروم من التواصل الإنساني، مما أدى إلى فقدانه نصف سمعه وبصره، وذلك لموقفه الفكري الداعي للديمقراطية وشعبيته الواسعة.
الابتزاز العقابي للعائلة: أشار إلى تعرض 19 فرداً من عائلة العودة (بينهم أطفال رضع) لمنع السفر الجماعي والسافر كأداة للضغط السياسي.
كشف العودة عن إنشاء ولي العهد لمناطق وسجون موازية خارج الأطر القانونية (في المعسكرات وأقبية القصور الملكية والفنادق كـ "الريتز كارلتون" ومبانٍ في الرياض وجدة والدمام)، مما حول البلاد إلى معتقل كبير تدار فيه هواجس القمع المطلق.
المحور الثاني: انهيار كذبة الإصلاح الاقتصادي وفشل مشاريع الواجهة (2026)
الاعتماد على النفط والتراجع التنموي: أوضح العودة أنه في عام 2026 تبيّن فشل الوعود الرسمية التي أُطلقت عام 2016 بتحرير الاقتصاد من النفط بحلول 2020؛ إذ أصبحت المملكة أكثر إدماناً واعتياداً على النفط من أي وقت مضى، لدرجة أن استهداف المصافي عطل الاقتصاد وأربك حسابات السلطة وأثار تذمراً كبيراً بين المواطنين المقيمين بالقرب من مناطق المنشآت.
سقوط المشاريع العملاقة: أكد اعتراف النظام الضمني بفشل مشاريع الواجهة مثل "نيوم" و"ذا لاين" (الذي قلص مسافته من 170 ميلاً إلى ميل ونصف ثم جرى إلغاؤه وتأجيله) ومباشرة التراجع عنها تحت ذريعة "إعادة التقييم".
وأشار إلى أن الأفكار التنموية جرى السطو عليها من خبراء واقتصاديين مستقلين (مثل عصام الزامل وجميل فارسي) ثم تم إيداعهم السجون.
فضيحة التمكين الشكلي:
بين أن دعايات تمكين المرأة تتناقض مع تعذيب الحقوقيات (مثل لجين الهذلول، عزيزة اليوسف، إيمان النفجان) بالصعق والتنكيل، وتحول أدوار الدبلوماسيات (كسفيرة الرياض بواشنطن) إلى أدوار ديكورية تُعبر عن رغبة ولي العهد بدلاً من حقوق المواطنات.
المحور الثالث: شخصنة المنظومة وتكثيف السلطة ورعب "المخبأ السري"
اختزال الدولة في الفرد: أوضح العودة أن النظام السياسي السعودي تغير من دولة التوازنات (بين العائلات، القبائل، والمؤسسات) إلى نظام "النقطة الواحدة للانهيار" (Single point of failure)، حيث جرى تجميع 8 مناصب كبرى ومفصلية في يد محمد بن سلمان شخصياً، لدرجة أصبحت معها الاجتماعات الرسمية أشبه بالحوار الذاتي ("مع نفسك").
نقل د. عبدالله ما تداولته التقارير الصحفية الدولية (مثل وول ستريت جورنال) بشأن تنقل ولي العهد المستمر بين المخابئ السرية والسراديب المحصنة، لإدراكه التام بأن اختزاله للدولة في شخصه يجبره على العيش في رعب دائم من أن استهدافه يعني إسقاط النظام برمته.
المحور الرابع: الكارثة الاستراتيجية في اليمن والانكشاف الأمني
الخطأ الاستراتيجي والأخلاقي:
أكد د. عبدالله أن النظام أخطأ استراتيجياً وسياسياً قبل خطأه الأخلاقي في اليمن، من خلال تقديرات واهمة افترضت أن ضرب إيران يضعف جماعة أنصار الله (الحوثيين) ويسمح بإعادة رسم المشهد عبر أدوات تابعة للرياض.
معادلة الاشتباك وتعرية الداخل: أوضح أن ردود صنعاء واضحة ومباشرة وفق قواعد اشتباك معلنة ("المطارات بالمطارات والموانئ بالموانئ")، مشيراً إلى أن القدرات المتطورة لليمنيين واستهداف مطارات الرياض والدمام وخميس مشيط ومصافي النفط جعلت الجبهة الداخلية والمؤسسات في وضع مكشوف تماماً.
وأشار إلى أن المواجهات أدت إلى استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية، مشدداً على أن الحل الحقيقي يتطلب الشجاعة بالاعتراف بالفشل واللجوء للحوار السياسي والدبلوماسي بدلاً من اندفاعات المكابرة.
فشل التوسلات والدبلوماسية الضعيفة:
استعرض مقال السفيرة السعودية ريما بنت بندر ومحاولاتها استجداء تدخل دولي ضد اليمن شبه بشرطة "داعش"، مؤكداً فشل توسلات السلطة لكل من مصر، باكستان، تركيا، اليونان، وبريطانيا لإرسال قوات برية، حيث رفضت هذه الدول الزج بقواتها واقتصرت مواقفها على أطر دفاعية رسمية وتملص برلماني.
المحور الخامس: تداعي خرافة "الحماية الأمريكية" وسقوط الرهان الخارجي
انقلاب الوعي النخبوي: استشهد العودة بتصريحات ومقالات نخب مقربة من مراكز القرار (مثل د. عبدالخالق عبدالله وعلي الشهابي) التي اعترفت صراحة بأن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لم تعد أداة حماية، بل أصبحت «وبالاً وعالة أمنية» تفرض على دول المنطقة حمايتها بدلاً من أن تحمي هي المنطقة.
شبه د. عبدالله الرهان على واشنطن بحالة الاستخذاء والخذلان التاريخية إبان الغزو المغولي، مؤكداً أن الأنظمة قائمة على عقيدة وظيفية تاريخية تظن أن بقاء العرش مرتبط بالولاء للغرب لا بالشرعية الداخلية أو العمق العربي والإسلامي.
تشبيه "صنم التمر": وصف الرهان على الحماية الغربية بـ "صنم التمر" الذي كان يُعبد في الجاهلية ثم يُأكل عند الجوع، حيث بات الحليف الغربي يمارس الابتزاز واللوم على عدم حماية القواعد بدلاً من توفير الأمان.
المحور السادس: هندسة الوعي وتدمير الامتداد العربي وتزييف القضية الفلسطينية
تسميم العلاقات العربية: كشف عن وجود لجان وفرق إلكترونية رسمية مخصصة لشيطنة الشعوب العربية (المصرية، اللبنانية، المغربية، اليمنية، العراقية) وتفتيت العمق العربي للمملكة.
حول تبني السردية الصهيونية: بين كيف يتبنى النظام مقولات الحركة الصهيونية حول القضية الفلسطينية وترويج أكاذيب "بيع الأرض", وصولاً إلى طروحات تنحرف بالخطاب الديني (مثل ادعاء أن "مسجد الحي في الرياض أهم من المسجد الأقصى") لتبرير الهرولة نحو التطبيع، مستشهداً بمذكرات بريت ماكغورك وبحوث المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه التي تفكك هذه الأكاذيب.
وفيما يخص التناقض المذهبي والديني: رصد العودة الازدواجية الفاضحة في تأجيج الصراع المذهبي ضد الطوائف الإسلامية الأخرى، مقابل إبداء مرونة مفرطة وتسامح براغماتي تجاه جرائم الاحتلال الإسرائيلي.
المحور السابع: استراتيجية المعارضة و"الاستقلال الثاني" ومؤسسات البديل
تجنب تعريض الداخل للبطش: أوضح العودة أن المعارضة فضّلت عدم الدفع بحراك علني مكشوف على السطح داخل البلاد لحماية المواطنين من بطش السلطة، مع الإبقاء على شبكة اتصالات وعلاقات رفيعة وقواعد شعبية مترقبة، مشيراً إلى أن أحد المؤتمرات الافتراضية حول بناء المؤسسات البديلة تابَعه نحو 100,000 شخص غالبيتن العظمى من داخل المملكة.
محمد بن سلمان كـ "أكبر خادم للمعارضة": صرح العودة بأن ولي العهد بسياساته الغبية، ومعاركه العبثية، وتصهينه يضرب النار على قدميه، ويسقط ورقة التوت عن نفسه، مما يعجل بحفر قبر استبداده على المدى المتوسط والبعيد.
المؤسسات البديلة في العواصم العالمية: كشف عن وجود مجموعات ومؤسسات استراتيجية وسياسية وأحزاب تشكلت في عواصم كبرى (لندن، واشنطن، باريس، أستراليا، نيوزيلندا، وعواصم عربية) تحولت من مربع "الضحية" إلى مربع المبادرة وصناعة التأثير الدولي والضغط ضد المحارق والحروب.
مشروع "الاستقلال الثاني": أكد أن الهدف هو تحقيق الاستقلال الحقيقي للبلاد من الاستبداد الداخلي والارتهان الخارجي، وتأسيس دولة ديمقراطية قائمة على التعددية ومؤسسات منتخبة تجعل السيادة المطلقة للشعب.
المحور الثامن والختامي: الرسالة للشعب السعودي وكسر حاجز الخوف
النداء للداخل: دعا الشعب السعودي إلى السلامة والحذر في هذه المرحلة الحرجة، مع الاستعداد الدائم والتصلب المفهومي ضد مصدر الخطر الحقيقي الذي دفع بالبلاد للمحارق وأضاع الأمن والاقتصاد.
سقوط معادلة الأمن مقابل الحرية: أعاد التذكير بما قاله والده الشيخ سلمان العودة- فرج الله عنه- منذ 20 عاماً:
«من يضحي بحقوقه وحرياته لأجل الأمن والأمان فلن ينال أيّاً منهما.» مؤكداً أن السبيل الأوحد لتحقيق الأمان المستدام هو الانطلاق من بوابة العدالة والكرامة والحريات.
عبور "جسر الخوف": اختتم د. عبدالله العودة الحوار بإعلان عبوره "جسر الخوف" منذ سنوات، مشدداً على أن الخوف هو السلاح الأكثر خطورة في يد المستبد، وأن كسر رهبة البطش والملاحقة والاغتيالات هو الطريق المباشر لإسقاط منظومة القهر وإنجاز التغيير الوطني المنشود.