تقارير

عقد من العبث: من وهم "البلد الآمن" إلى صفارات الإنذار.. هكذا ارتدت حرب اليمن إلى عقر دار الرياض

تاريخ النشر:2026-11-08

أكثر من عقد كامل مضى منذ أن أطلق ولي العهد محمد بن سلمان مغامرته العسكرية في اليمن مطلع عام 2015، محولاً الجار الجنوبي إلى ساحة حرب مفتوحة وخراب ممنهج. واليوم، ها هو العقد المنصرم يدور ليحصد ما زرعته آلة الحرب؛ إذ تنكشف الحقيقة المرة على وقع الانفجارات وصفارات الإنذار التي تضرب عمق المدن الحيوية، وتحديداً العاصمة الرياض.
فقد أفاد شاهد عيان وثلاثة أشخاص مطلعين على الحادثة، بأن برجاً في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة الرياض قد تضرر جراء مقذوف أُطلق يوم الأحد، تزامناً مع إعلان التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن اعتراض صاروخين فوق الرياض أطلقهما الحوثيون. هذا التصعيد الخطير يأتي ليؤكد أن الحرب لم تعد جبهة عسكرية بعيدة، بل تحولت إلى كابوس يومي يطرق أبواب الداخل السعودي، ويزيد من قلق المواطنين والمقيمين.

الرياض "غير آمنة": هروب الفعاليات وسقوط وهم الاستقرار الترفيهي
في الوقت الذي تنفق فيه السلطات المليارات لترويج صورة "السعودية المزدهرة" وإقامة الحفلات والمهرجانات الترفيهية طمسًا للواقع، جاء السقوط المدوي لوهم الأمان ليبرهن على هشاشة المشهد برمته.
فقد أعلن اتحاد المصارعة الترفيهية الأمريكي (WWE) رسمياً إبعاد فريقه الإداري وقسم البث المباشر والتعليق الصوتي عن السفر إلى الرياض لعرض «كراون جول 2026» في صالة «ANB Arena»، مفضلاً إدارة الفعالية بالكامل عن بُعد من ولاية كونيتيكت الأمريكية. ولم تفلح محاولات إغراء الموظفين ببدل مخاطر بلغ 3,000 دولار لليوم الواحد في ثنيهم عن رفض السفر، في ظل تردي الأوضاع الأمنية والمخاوف الحقيقية على حياتهم. هذا الهروب الجماعي للشركات والخبرات الأجنبية يجسد بوضوح كيف تحولت المملكة في عيون العالم إلى بيئة غير آمنة، بينما تصر السلطات على مواصلة سياسة إقامة الحفلات وصخب المهرجانات وكأن شيئاً لا يحدث في الإقليم.

جحيم المعيشة وفواتير الأزمات: المواطن يدفع الثمن
بينما تُهدر مقدرات البلاد في حروب عبثية استنزفت الخزينة، ويعاني المواطن السعودي الأمرين تحت وطأة غلاء المعيشة الفاحش، والارتفاع الجنوني في فواتير الكهرباء،  والضرائب والرسوم، تتكتم السلطات على الحجم الحقيقي للخسائر الاقتصادية والبشرية.
إن المواطن البسيط اليوم هو من يدفع فاتورة هذا العبث الاستراتيجي؛ فهو يعيش بين ضغط اقتصادي خانق وجحيم معيشي، وبين رعب أمني متصاعد مع عودة الهجمات الصاروخية ومسيرات الطائرات لتطال البنية التحتية للطاقة والاقتصاد، دون أن يمتلك حق السؤال أو المعرفة الدقيقة لما يدور خلف كواليس القرار السياسي والعسكري.

حصاد العقد العبثي: خيارات مكلفة ومأزق بلا إخراج
اليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات من الصلف العسكري والتدخلات المدمرة في اليمن، تجد الرياض نفسها محاصرة بمعضلة كبرى: حرب مستمرة لا تنتهي، ودفاعات جوية مستنزفة بين جبهات متعددة، وحلفاء إقليميون يرفضون التورط في معارك برية هجومية، واقتصاد داخلي يئن تحت وطأة الضرائب وغلاء المعيشة بينما تتبخر ثروات البلاد في صفقات الوهم العسكري.
مع استمرار هذه الحرب المستمرة دون حسم عسكري أو تسوية سياسية شاملة، يبرز السؤال الأهم في الشارع السعودي والإقليمي: إلى متى ستظل هذه الحرب تحصد الاستقرار؟ وهل هناك بارقة أمل قريبة لإنهائها؟ وهل ستنتهي مجدداً بدفع الأموال الطائلة والتعويضات المليارية كما تشير التسريبات المتتالية؟

تؤكد المعطيات أن الأزمة وصلت إلى انسداد استراتيجي كامل؛ فلا الرياض راغبة أو قادرة على الدخول في تدخل بري واسع ومكلف بشرياً وسياسياً لتحقيق مكاسب ميدانية، ولا الطرف الآخر مستعد للتراجع. وأمام هذا الأفق المسدود، تتأرجح النهاية بين سيناريوهين مكلفين:
1. التسوية المالية والسياسية (شراء الهدوء): قبول الرياض بدفع التعويضات والالتزامات المالية الضخمة لضمان وقف استهداف العمق السعودي والأصول الاقتصادية، وهو ما يفتح الباب أمام مطالب متكررة ويعزز نفوذ الخصوم.
2. استمرار حرب الاستنزاف المفتوحة: البقاء في أتون الحرب المستمرة، حيث تظل السماء السعودية عرضة للمقذوفات والدفاعات تحت الإنهاك المستمر.
إن سياسة المكابرة التي قادها محمد بن سلمان لم تُخلّف سوى مزيد من التهديدات الوجودية. وحين تطال المقذوفات المراكز المالية الحيوية في العاصمة الرياض وتتوالى ضربات المنشآت وسط عجز استراتيجي، يثبت أن ثمن هذا العبث يدفعه الوطن وأبناؤه من أمنهم ومعيشته ومستقبلهم.