لنبدأ من سؤال قد يبدو بسيطاً: متى تحول الخليج إلى ما يشبه مركزاً إقليمياً؟
السؤال نفسه خادع. يفترض أن هناك "تحولاً" بالفعل، وأن ما نراه اليوم من حضور خليجي هو نتيجة نضج تاريخي طبيعي. لكن الحقيقة أكثر قسوة وأشد برودة: الخليج لم يتحول إلى مركز، بل إلى موقع داخل شبكة. المنطقة كانت - ولا تزال - تُدار كملف استراتيجي لا كفضاء سياسي حي. والفرق بينهما جوهري: الملف يُفتح ويُغلق، يُنقل ويُعاد تصنيفه، بينما الفضاء السياسي يتنفس من داخله، يصنع قراره، يحدد اتجاهه.
هذا ما يجعل الحديث عن "نفوذ خليجي" يستحق التفكيك. النفوذ موجود، لا شك. لكن من أي نوع؟ أهو نفوذ يقوم على سيادة حقيقية، أم نفوذ تعاقدي يعمل داخل سقف محدد سلفاً؟ وقبل أن نجيب، علينا أن نسأل: من وضع هذا السقف أصلاً؟
الحارس المتعاقد: حين كان الشرطي كافياً
في زمن ليس ببعيد، كان النموذج واضحاً ومريحاً للجميع تقريباً. إيران الشاه تلعب دور "الشرطي الإقليمي"، والقوى الغربية تقدم الحماية الشاملة، ودول الخليج تنعم بالاستقرار. صورة نظيفة وبسيطة. لكن ما الذي كان يجري تحت السطح؟
الشاه لم يكن يمارس سيادة بقدر ما كان يؤدي وظيفة. وظيفته: ضبط المنطقة، ردع التهديدات، حماية تدفق النفط، والأهم - تجنيب القوى الإمبريالية كلفة الحضور المباشر. هذا الترتيب ليس "تحالفاً" بالمعنى الكلاسيكي، بل عقد تشغيل: الشاه يحصل على السلاح والدعم، والغرب يحصل على الاستقرار الإقليمي دون تكبد خسائر سياسية أو عسكرية مباشرة.
ما جعل هذا النموذج يعمل بسلاسة هو أن جميع الأطراف - عدا الشعوب بالطبع - استفادت منه. الشاه حصل على شرعية إقليمية مصطنعة ومساحة حركة واسعة. القوى الغربية حققت مصالحها دون أن تشغل نفسها بإدارة التفاصيل. أما دول الخليج فقد وجدت نفسها في موقع مريح: الأمن يُوفَّر من الخارج، والثروة تتدفق بلا عوائق، والأسئلة الكبرى حول السيادة والاستقلال يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى.
هذا التأجيل هو المشكلة الحقيقية. حين تتعود الدول على أن يأتي أمنها من فوقها لا من داخلها، تفقد القدرة على إنتاج سياسة حقيقية. تتحول إلى "حافظة ممتلكات" لا إلى كيان يصنع التاريخ. والأخطر من ذلك: تتعلم أن تقيس نجاحها بمعايير غريبة - ليس بقدرتها على حماية كرامة مواطنيها، بل بقدرتها على إبقاء "الملف" مستقراً في نظر الضامن الخارجي.
في هذا السياق تكتسب عبارات مثل "ولو جلد ظهرك وأخذ مالك" معناها الحقيقي. ليست مجرد نصوص تراثية يُساء استخدامها - وإن كانت كذلك أيضاً - بل هي تقنية خطابية لإنتاج ذات سياسية مستسلمة. تحول الظلم إلى "قدر"، والخضوع إلى "حكمة"، والسيادة المسروقة إلى "استقرار ضروري". وحين تنجح هذه التقنية، يصبح الشرطي الخارجي ضرورة وجودية لا مجرد حليف مؤقت.
انهيار النموذج: حين سقط الشرطي
ثم جاءت ثورة 1979 وانهار النموذج كله. لم يكن سقوط الشاه مجرد نهاية رجلٍ أو نظام. في جانبٍ أساسي منه كان اعتراضًا على صيغة حكمٍ تقوم على "الوكالة": سيادةٌ مُعلنة تقابلها إدارةٌ سياسية وأمنية مرتبطةٌ بترتيبات خارجية. لذلك كان توصيف الثورة بوصفها "تهديدًا" أو "تمددًا" أسهل، لأنه يجنّب الاعتراف بأنها رفضٌ لنمطٍ يربط شرعية السلطة بمظلّة حمايةٍ من الخارج. في هذا النمط يتحول "الاستقرار" إلى عنوانٍ واسع يغطي الفكرة نفسها: لا يعود المجتمع هو المصدر الفعلي للتفويض، ولا تعود الدولة إطارًا يصنع قراره من الداخل، بل تُدار بوصفها وظيفة ضمن حدودٍ مسبقة، ويُستبدل العقد الداخلي بمنطق ضمانٍ خارجي يرفع كلفة الاعتراض ويخفض مساحة المشاركة.
لكن الانهيار لم يكن مجرد سقوط نظام الشاه. كان انهياراً لبنية كاملة اعتاد عليها الجميع. فجأة، لم يعد هناك "شرطي" يضبط المنطقة. وفجأة، اكتشفت دول الخليج أنها غير قادرة على ملء الفراغ الأمني بمفردها. الاعتماد الذي بدا "ميزة" في زمن الاستقرار تحول إلى نقطة ضعف قاتلة في زمن الاضطراب. والحرب التي تلت، في هذا السياق، أقرب إلى استجابةٍ بنيوية لمحاولة احتواء أثر "الرفض" الذي كشفت عنه الثورة، لا إلى نزاع حدود بالمعنى التقليدي وحده.
كان المطلوب تحويل لحظة الانكشاف إلى استنزافٍ طويل يرسّخ قواعد الردع ويعيد ضبط السلوك الإقليمي على قاعدة أن الخروج عن الدور المرسوم مكلف. الرسالة التي جرى تداولها لم تتوقف عند تصوير إيران كخصم، بل ذهبت إلى ما هو أوسع: أي طرف يعطّل آليات الضبط أو يربك ترتيبات التشغيل سيواجه بأدوات ضغط متعددة، من الحرب إلى الحصار إلى توظيف وكلاء. ومع الوقت، لم يعد الصراع مجرد مواجهة، بل صار جزءًا من سياسة تنظيمية هدفها تثبيت الحدود غير المعلنة لما يُسمح به وما يُمنع.
الرد الأمريكي جاء واضحاً: الحضور العسكري المباشر. قواعد، أساطيل، اتفاقيات أمنية. لكن هذا الحضور لم يكن مجرد "ملء فراغ"، بل كان إعلاناً صريحاً عن حقيقة ظلت مستترة: المنطقة لا تملك سيادتها الأمنية. ما كان يبدو وكأنه "تنسيق" مع الشاه تحول إلى احتلال ناعم بعد سقوطه.
ومع مرور العقود، بدأت تتشكل معادلة جديدة: أمريكا موجودة لكن متعبة، والحروب المتلاحقة في العراق وأفغانستان استنزفت قدرتها على الهيمنة الكاملة. بدأ الحديث عن "إعادة تموضع"، عن "التزامات أقل"، عن نقل بعض الأعباء إلى "الحلفاء المحليين".
تقلص السقف: إعادة هندسة المنطقة
ما حدث خلال العقدين الماضيين ليس مجرد "انسحاب أمريكي"، بل عملية إعادة هندسة للمنطقة بأكملها. السقف الإمبريالي الذي كان واسعاً بما يكفي ليحتوي تناقضات كثيرة ويدير لاعبين متعددين - بدأ يتقلص.
وحين يتقلص السقف، تتغير قواعد اللعبة بالكامل.
في زمن السقف الواسع، كان الحجم ميزة. دولة كبيرة مثل السعودية كانت مفيدة: مساحة شاسعة، ثروة نفطية هائلة، رمزية دينية، وزن ديموغرافي. هذا الحجم كان يُستثمَر لإدارة توازنات إقليمية معقدة. لكن في زمن السقف المتقلص، يتحول الحجم من ميزة إلى عبء. دولة كبيرة يصعب ضبطها، يصعب توجيهها، ويصعب التنبؤ بردود أفعالها الداخلية.
هنا بدأ اللاعب الصغير يبدو أكثر جاذبية. اللاعب الصغير - مثل أبوظبي - رشيق، سريع الحركة، محدود الارتدادات الداخلية، وأهم من ذلك: قابل للتشغيل كـ"عقدة" في شبكة لا كـ"كتلة" في إقليم.
ما يجري ليس مجرد "صعود الإمارات" أو "تراجع السعودية". ما يجري هو تحول في طبيعة النفوذ المطلوب. لم يعد المطلوب دولة تمتلك ثقلاً تاريخياً أو مشروعاً حضارياً. المطلوب الآن كيان يتقن أدوات التأثير السريع: اللوبيات، الاستثمارات الموجهة، الوساطات، العلاقات الأمنية التقنية، السيطرة الإعلامية. كيان قادر على أن يكون "بوابة" لا "مدينة".
السعودية: حين يتحول الحجم إلى مشكلة
السعودية تجسد هذه المعضلة بشكل صارخ.
طيلة عقود، كان حجمها يُنظر إليه كميزة طبيعية. "نحن الأكبر، إذن نحن الأهم". لكن هذا المنطق صالح فقط في ظل سقف قادر على احتواء هذا الحجم واستثماره. أما حين يتقلص السقف ويصبح اللعب عبر شبكات لا عبر كتل، فإن الحجم يتحول إلى إشكالية تشغيلية.
السعودية دولة كبيرة بتناقضات كبيرة. كل قرار فيها يحرك تيارات داخلية متعارضة، كل مشروع يثير أسئلة حول الشرعية والهوية، كل تغيير يخلق احتكاكات لا يمكن امتصاصها بسهولة. هذه التعقيدات لا تتوافق مع منطق التشغيل السريع الذي يحتاجه السقف المتقلص.
أضف إلى ذلك فشلها في أداء بعض الأدوار الموكلة إليها. حرب اليمن مثال واضح: تورط طويل، كلفة باهظة، نتائج هزيلة، وضرر كبير على الصورة الإقليمية والدولية. حين تفشل الكتلة الكبيرة في تنفيذ المهمة بكفاءة، يبدأ المشغّل في البحث عن بدائل أكثر فعالية.
أبوظبي: العقدة المثالية
على النقيض، تقدم أبوظبي كل ما يحتاجه السقف المتقلص: مركز قرار ضيق يسمح بحركة سريعة، حجم صغير يقلل الارتدادات، قدرة على التموضع في شبكات متعددة دون إحداث ضجيج، ومهارة في استخدام أدوات النفوذ الحديثة (المال، الإعلام، اللوبيات).
أبوظبي لا تطمح لأن تكون "مركز عربي" بالمعنى الكلاسيكي - وهذا بالضبط ما يجعلها مناسبة. لا تحمل مشروعاً أيديولوجياً ثقيلاً، لا تثير أسئلة كبرى حول الشرعية، ولا تدّعي زعامة أخلاقية. فقط تقدم خدمات تشغيلية: تمويل هنا، وساطة هناك، ضغط هنا، تسهيل هناك.
هذا النموذج "الخدماتي" هو ما يُكافأ اليوم. ليس لأن أبوظبي أكثر ذكاءً أو أكثر قوة، بل لأن بنية اللعب نفسها تغيرت. في زمن الشبكات، العقدة أهم من الكتلة. في زمن السقف الضيق، المرونة أهم من الثقل.
طبيعة ما انتقل: نفوذ دون سيادة
هنا يجب التوقف عند سؤال محوري: ما الذي انتقل فعلاً إلى الخليج؟
انتقلت أدوات التأثير، لا مقومات السيادة. انتقل المال بكثافة غير مسبوقة، وانتقلت معه شبكة واسعة من الآليات: استثمارات استراتيجية، لوبيات في العواصم الغربية، سيطرة إعلامية، قدرة على الوساطة في ملفات إقليمية. كل هذا يخلق "حضوراً" مؤثراً، لا شك في ذلك.
ثم ظهر تحولٌ أكثر حساسية، لا في السياسة وحدها بل في التصور العام: أن تُعامل الواجهة بوصفها واقعًا مكتملًا. نخبٌ أقدم كانت تدرك حدود المعادلة لأنها شهدت نشأتها: أدوات النفوذ تعمل داخل سقفٍ محدد، والظهور يُكتسب بوصفه وظيفة، والرمزية لا تعني قيام دولة. لكن أجيالًا لاحقة بدأت تتصرف كأن "الزمن الخليجي" انتقالُ سيادة لا انتقالُ أدوات؛ كأن اتساع الشبكات يعادل وطنًا، وكأن إدارة المنافذ تعادل بناء المدينة. هنا يتضخم خطاب الإنجاز بوصفه تعويضًا عن نقص العمق، وتُقرأ القدرة على فتح الأبواب وإغلاقها كقدرة على صناعة المسار نفسه. وفي المقابل تتسع الفجوة مع شروط الدولة: عقدٌ واضح، ومؤسسات، ومساءلة، وقدرة على إنتاج القرار من الداخل لا من جدول خدماتٍ أو نفوذٍ عابر.
لكن الحضور ليس سيادة. والنفوذ ليس استقلالاً.
السيادة تعني القدرة على اتخاذ قرار مستقل - قرار يُنتَج من الداخل، يعبّر عن إرادة جماعية، ويُحاسَب عليه صاحبه أمام مجتمعه. أما النفوذ التعاقدي فيعني القدرة على التأثير داخل إطار محدد سلفاً، طالما بقيت شروط العقد قائمة.
الفرق يظهر في لحظات الأزمات. حين تتصادم المصالح المحلية مع شروط السقف، من ينتصر؟ حين يُطلب من الدولة الخليجية تغيير سياساتها الداخلية (الثقافية، الاجتماعية، الاقتصادية)، هل تمتلك القدرة على الرفض؟
الإجابة معروفة للجميع، لكن قليلين من يجرؤ على قولها صراحة: الخليج اليوم يمتلك أدوات التأثير في السطح، لا القدرة على تأسيس العمق. يمتلك القدرة على الحركة السريعة داخل الشبكة، لا القدرة على صناعة شبكة مستقلة. يمتلك المال الذي يشتري الوقت، لا المؤسسات التي تبني المستقبل.
البوابات لا المدن
دعونا نستخدم استعارة دقيقة: الخليج اليوم يعمل كمجموعة "بوابات" لا كـ"مدن".
البوابة مكان عبور. تُفتح وتُغلق بحسب حاجة من يملك الطريق. قد تكون بوابة فخمة، محروسة جيداً، مزينة بأحدث التقنيات - لكنها تظل بوابة. لا تصنع الطريق، لا تحدد وجهته، لا تملك قرار إغلاقه.
المدينة شيء آخر تماماً. المدينة تنتج معناها من داخلها، تفرض منطقها على من يدخلها، تخلق قواعدها الخاصة. من يريد الوصول إليها يخضع لشروطها هي، لا العكس.
الخليج اليوم بوابة كبرى: بوابة الاستثمار في الشرق الأوسط، بوابة التطبيع، بوابة الوساطة، بوابة العلاقات الأمنية مع الغرب. كل هذه أدوار مهمة ومؤثرة - لكنها أدوار داخل سقف، لا سقف بحد ذاته.
الإهانة الحقيقية
في النهاية، المسألة ليست مجرد تقييم "جيوسياسي" بارد. المسألة تتعلق بمعنى الوجود الجماعي نفسه.
حين يصبح مصيرك - الثقافي، الاجتماعي، السياسي - قابلاً للضبط من خارجك، تكون قد فقدت أكثر من السيادة. تكون قد فقدت الكرامة. والكرامة ليست رفاهية أخلاقية، بل شرط أساسي للحياة السياسية الحقيقية.
الطغم الحاكمة قد لا تشعر بهذه الإهانة - بل قد تكون مستفيدة منها. لكن الشعوب تدفع الثمن يومياً. حين تُدار حياتك بمنطق "الملف" لا بمنطق "العقد"، حين يُحدَّد ما يجوز لك أن تقوله وما لا يجوز من مراكز خارجية، حين تُعاد هندسة مجتمعك بناءً على شروط لم تشارك في وضعها - هنا تكون الإهانة في أقسى صورها.
خاتمة: السؤال الذي يجب طرحه
السؤال المطروح ليس: من يملك النفوذ في الخليج اليوم؟
السؤال الحقيقي: هل يمكن تحويل هذا النفوذ - مهما كانت أدواته فعالة - إلى سيادة حقيقية؟ هل يمكن للمال وحده أن ينتج دولة؟ هل يمكن للأدوات التقنية للتأثير أن تتحول إلى مشروع سياسي مستقل؟
الإجابة تتوقف على سؤال أعمق: هل هناك إرادة حقيقية لامتلاك السقف، أم أن الراحة داخل السقف الموجود أكثر أماناً وأقل كلفة؟
طالما بقيت الإجابة غير واضحة، سيظل الخليج - مهما تضخم حضوره - مجرد لاعب داخل شبكة لا صانعاً للشبكة نفسها