مقالات

مثقفي السعودية والدور المأمول

الكاتب/ة عازم السلمي | تاريخ النشر:2026-02-04

للمثقف مفاهيم أو تعاريف متعددة لكني انحاز لتعريف انطونيو غرامشي والذي يبين مهمة وواجب المثقف أكثر مما يعرفه فيقول عن المثقف “هو الذي يشارك بنشاط في المجتمع من أجل التغيير نحو الأفضل، اعتمادا على القراءة الموضوعية للواقع،وتحكيم الضمير في المواقف التي يجب عليه اتخاذها، شجاعا في إعلان هذه المواقف والدفاع عنها وتحمل تبعاتها”.فالمثقف موقف وضمير وقيم ونور للمجتمع يتحلى بالجرأة والشجاعة والاستقلال، هذه هي الصورة المثالية للمثقف وكلما اقترب المثقف من هذه الصورة أدى دوره واكتسب قيمة وسلطة معنوية ورمزية لأمته وربما للإنسانية كلها. ولكن المثقف في النهاية إنسان يعتريه الضعف والجبن وربما تدفعه الحاجة على قول عكس ما يؤمن به وربما الأسوأ أن يتحول إلي انتهازي وأداة بيد الطغاة فيصبح خطرا على المجتمع وشريكا في الظلم والاضطهاد.
 
 وقليل من المثقفين من يتوافق سلوكه مع ما ينادي به من مثل عليا فيحظى باحترام الأغلبيه حتى من اعداءه وقد يختلف سلوك المثقف عن ما يدعو إليه من قيم، مثل جان جاك روسو الذي ألف كتاب إميل أو في التربية ومع ذلك ألقى أطفاله في الملجأ أو كالفيلسوف الألماني هايدغر عندما تولى إدارة الجامعة في عهد النازيين وخان أستاذه هوسرل لأنه يهودي الديانه حين طبق قانون التطهير، ومع ذلك يبقى لما كتبوا قيمة وأهمية لأنه لو انتظرنا تطابق القيم والسلوك عند المفكرين لألقينا غاليبة نتاجهم الفكري في سلة المهملات ولخلت رفوف المكتبات من الكتب.
ومن أجل ذلك ينقسم المثقفون إلى قسمين، مثقف السلطة ومهمته أن يبرر سلوك السلطة ومنها يستمد قيمته ووجوده، والمثقف الملتزم أو المستقل الذي ينحاز للقيم والمثل وينحاز للضحية ضد الجلاد وهو صوت الطبقات المسحوقة والمهمشمة وضميرهم، ويستمد قيمته ووجوده مما يكتب ومن مساندة الجماهير له.
 
وما يهمنا هنا هو الحالة الثقافية في السعودية وحال المثقفين فيها حيث يكثر في العقدين الأخيرين مثقف السلطة الذي تصنعه وتقدمه السلطة للمجتمع كمثقف حتى لو كان لا يمتلك مقومات الثقافة،ويندر اليوم في السعودية المثقف الحر المستقل. ولا توجد في السعوديه انتلجنسيا أي طبقة أو نخبة من المثقفين يربطها نسيج فكري ولها دوري توجيهي ونقدي في تشكيل ثقافة وسياسة مجتمعها وتوجيهه نحو التقدم.
 
 ماهو موقف المثقف السعودي في الوقت الحاضر من قيم العدالة والحرية والمساواة وحقوق الإنسان والمواطنة، هل هو معتنق لها ومروج لها ومدافعا عنها. واليوم مع انعدام الحرية في السعودية وانتهاكات حقوق الإنسان والتوسع في الإعدامات السياسية واستئثار قلة قليلة بالسلطة والثروة وغياب التوزيع العادل للثروة وتآكل الطبقة المتوسطة وزيادة الفقر، لماذا استقال المثقف من دوره وواجبه تجاه أمته وشعبه، ماذا بقي له من قيمة وأثر وهو يرى زملاءه المثقفين في المعتقلات ولا يحرك ساكن، واكتفى المستقلون منهم بالصمت وخلت الساحة لمثقفي السلطة المدجنين يبررون القمع ويفلسفون القيود ويضللون الرأي العام.
 
 إن موقف كثير من المثقفين السعوديين تجاه الديمقراطية لا يختلف كثيرا عن رأي رجال الدين المتطرفين الذين يكيلون لهم التهم ويعلقون عليهم خيبات الأمة فرجال الدين هؤلاء يرفضون الديمقراطية بحجة أنها ضد الإسلام، فيما يرفض مثقفي السلطة الديمقراطية بحجة أن الشعب جاهل وغير جاهز للديمقراطية ولأنها تتيح مجال و صوت لتيارات ثقافية يختلفون معهم، مع أن مثقفي السلطة يعلمون أن الديمقراطية قيم وآليات وأنه لكي تنضج وتترسخ لا بد لها من ممارسة عملية فالتنظير وحده لا يعلم الديمقراطية، كما يقول كانط “إنني أعترف بأنني لا أفهم جيداً هذا القول الذي يردده قوم عقلاء: هذا شعب ليس ناضجاً للحرية، ففي فرض مثل هذا لن تأتي الحرية مطلقاً، ولأنه لا يمكن أن يكون الإنسان ناضجاً للحرية إن لم يكن قد عرف الحرية من قبل”. 
 
وهكذا يتبين أن مثقفي السلطة ورجال الدين المتعصبين يتشاركون الكثير من القيم والسلوكيات مع اختلاف صياغة المبررات، بل إن كثيرا من رجال الدين المعتدلين يعتنقون أفكارا أكثر تقدمية من مثقفي السلطة، ومع رفضهم للديمقراطية فلو أن السلطة الحاكمة سمحت بالانتخابات لبدلوا جلودهم فورا وكالو المديح للحاكم المتنور الذي سمح وتكرم بالانتخابات وسيتغنون بفضائل الديمقراطية. بل أكثر من ذلك لسبقوك على صندوق الانتخابات ومارسو الوصاية على الناس وحذروهم من انتخاب المناضلين الحقوقيين والسياسيين الذي تعرضوا للاعتقال وعانوا بسبب مطالبتهم بالديمقراطية لأنهم متطرفون ومتسرعون يعملون على حرق المراحل بحسب زعمهم. نحن هنا لا نعمم على كل مثقفي هذه المرحلة في السعودية، فهناك مثقفون دخلوا السجون دفاعا عن الحقوق ورفضا للظلم والاستبداد وهناك آخرين آثروا الهجرة والغربة ومشاقها للصدع بآرائهم وليرفعوا أصواتهم عاليا في وجه السلطة الغاشمة ويقولوا لها لا رغم خطر اغتيالهم أو اختطافهم. ولكن مثقفي السلطة هم من يملؤون الساحة المحلية اليوم حين صمت المستقلون بسبب القمع وإرهاب السلطة. 
 
ولنتذكر الرعيل الأول من المثقفين في السعودية الذين رغم انعدام الامكانيات وبدائية المجتمع وقلة المنابر رفعوا أصواتهم عاليا مدافعين عن حقوق المجتمع مستعدين للتضحية غير مبالين بإرهاب السلطة خصوصا في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين على اختلاف توجهاتهم من ماركسيين وقوميين وليبراليين واسلاميين تحلوا بالجرأة والشجاعة والاستقلال ويكفي أن نستشهد بالذين دخلوا السجون بسبب مطالبتهم بتعليم البنات على سبيل المثال، متحدين السلطة والقوى الرجعية في المجتمع المدعومة من السلطة فسجن بعضهم وأقفلت صحفهم كعبدالكريم الجهيمان. فهذه هي مهمة المثقف مناهضة وإزعاج السلطة أي سلطة كانت سواءا  سلطة سياسية أوسلطة رجال الدين أو سلطة المجتمع ونقد هذه السلطة ومساءلتها وهز مسلماتها ومطالبتها بالتجديد والتحديث وتوسيع هامش الحرية وهذا هو الدور المأمول اليوم من مثقفي السعودية. وأخيرا نحن نتفهم حين يصمت المثقف بسبب الخوف والقمع والإرهاب، ولكن المجتمع لا يغفر لمثقف السلطة الانتهازي الذي برر وشجع قمع السلطة فهذه دناءة وانحطاط أخلاقي وخيانة بامتياز، ويأتي يوم يوضع في قفص الاتهام مع الطاغية وسيصرخ حينها طالبا الصفح والعفو.