مدونات

الحقوق تنتزع ولا توهب

تاريخ النشر:2023-01-10

أسامة السعد

لطالما فكرت مليا فيما قد يكون الإصلاحي البارز عبدالله الحامد قد نطق به من كلمات قبل وفاته مظلوما بفعل الإهمال الطبي وسوء المعاملة بعد سنوات من الاعتقال التعسفي. 

غيبت السلطات الحامد ورفاقه الإصلاحيين والحقوقيين لسنوات طويلة في السجون لمنع رسالتهم، و لقطع الطريق على آخر ما يمكن أن يكون الرجل يرغب في إيصاله من رسالة لشعبه. 

رحل فارس الإصلاح في صمت في نيسان/أبريل عام 2020 بعد أن طالب جهارا ومن داخل البلاد، بـ"الملكية الدستورية"، ولم يتراجع عن مواقفه رغم التضييق و الاستهداف والاعتقال لمرات عدة. 

كان بإمكان الحامد أن يهادن مثل الكثيرين غيره، وينعم بالمناصب والأموال والحياة الرغيدة لكن كما يقول شكسبير "يموت الجبناء مرات عديدة قبل أن يأتي أجلهم، أما الشجعان فيذوقون الموت مرة واحدة". 

لم ولن تذهب تضحيات الحامد وأمثاله سدى. يشهد التاريخ في كل مراحله أن الخلاص من الاستبداد ونيل الحرية والحقوق ما هو إلا نتاج مبادرات وجهود تراكمية. 

حظرت السلطات جمعية الحقوق المدنية والسياسية (حسم) التي أسسها الحامد وإخوانه وغيرها من مبادرات التجمع السلمي لانتزاع حقوق الشعب. 

غير أن انتقاد الفساد السياسي والقضائي بالمملكة لا يمكن حظره وإنهائه. بل إنه سيبقى ويتصاعد حتى يسقط الطغاة وتندثر أنظمتهم القمعية. 

ما يزال مئات النشطاء الحقوقيين والمعارضين في سجون المملكة، أو قيد المحاكمة بسبب انتقاداتهم السلمية، مضحين بسنوات من حياتهم على قربان السعي من أجل حرية شعبنا ونيل حقوقه. 

يستمر النضال السلمي لهؤلاء في وقت يكرس النظام السعودي حكمه القمعي. بحسب المؤشر العام للديمقراطية حول العالم، الذي أصدرته “وحدة الإيكونوميست للاستقصاء” تحتل السعودية المرتبة 152 عالميا، وتصنف بأنها خاضعة لنظام استبدادي. 

واقع القمع يتم ترجمته فعليا دون هوادة بحملات اعتقال طالت المئات من النشطاء والحقوقيين على خلفية مواقفهم العلنية ومطالبهم بالإصلاح السياسي والاجتماعي وإطلاق الحريات العامة. 

ولا يكتفي النظام بأحكام السجن المغلظة بحق نشطاء الرأي، بل إنه يرفض الإفراج عن عشرات المعتقلين رغم انتهاء محكوميتهم بحسب ما تؤكده المنظمة الدولية لمناهضة التعذيب OMCT في انتهاك صريح لكافة القوانين ومواثيق الدولية. 

من ضمن هؤلاء الناشطين يبرز الحقوقي د. محمد فهد القحطاني الذي انتهت محكوميته البالغة 10 سنوات، منذ نحو شهرين ونصف وبدلا من الإفراج عنه تعرض للإخفاء القسري وقطع أي تواصل له مع عائلته و العالم الخارجي. 

هل من ظلم أكثر من ذلك؟ يتساءل الحقوقيون، ثم يصدمون بصدور حكما بالسجن لمدة 34 عاما على الأكاديمية سلمى الشهاب عقابا لها على تغريداتها على تويتر. 

لكن الشهاب مثال  واحد في قائمة طويلة من ضحايا القمع. 

بموازاة ذلك فإن المملكة تعد من أكثر الدول التي تمارس رقابة مشددة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، سواء من خلال الحجب أو العقاب بالسجن والغرامة بهدف إخماد الأصوات المعارضة. 

فالكلمة الحرة هي أكثر ما تخشاه الأنظمة المستبدة لأنها تعلم تأثيرها التراكمي، وأنها ستبقى مهددة بالسقوط عاجلا أو أجلا. 

وإن تسلح الحاكم بالحصانة سواء داخليا عبر سلسلة المناصب، أو خارجيا لاعتبارات المصالح والدبلوماسية، فكل ذلك لا يمكن أن ينجيه من المحاسبة أو يجعله طليق اليدين بعد كل الانتهاكات الشنيعة لحقوق الإنسان التي مارسها هو وأعوانه ضد معارضة سلمية.