أثارت السفيرة السعودية في الولايات المتحدة، ريما بنت بندر، موجة جدل واسعة بعد تصريحها الذي قالت فيه إن «الشباب السعودي لديه فرص للعمل في أي دولة، لكنه يختار العمل في وطنه السعودية»، وهو تصريح قوبل بتفاعل غاضب من مواطنين رأوا فيه تجاهلًا صارخًا لواقع البطالة وتقلّص الفرص داخل البلاد.
وسرعان ما تحوّل التصريح إلى مادة للنقاش الحاد على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر مواطنون، من خلفيات مهنية وتعليمية مختلفة، عن استيائهم مما وصفوه بـالخطاب المنفصل عن الواقع، معتبرين أن المشكلة لا تكمن في رغبة الشباب أو وطنيتهم، بل في غياب الفرص الحقيقية.
خبرات تُبنى خارج الوطن
أحد المغردين، وهو مهندس وباحث يعمل في شركات تقنية عالمية، قال إنه أمضى أكثر من عشر سنوات في الدراسة والعمل خارج السعودية، مشيرًا إلى أن أول راتب حصل عليه في الخارج تجاوز 25 ألف ريال، في حين أن صديقه الذي عاد للعمل في السعودية بدأ براتب لا يتجاوز 7 آلاف ريال. وأوضح أن الفارق لا يقتصر على الدخل، بل يمتد إلى طبيعة العمل نفسها، حيث يُتاح للمهندسين في الخارج العمل على تصميم الصناعات من الصفر، بينما يُختزل دور كثير من المهندسين في الداخل في التشغيل فقط.
وأضاف أن الغربة، رغم قسوتها، مكّنته من بناء خبرة حقيقية يمكن أن تعود بالنفع على وطنه إن قرر العودة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن عددًا كبيرًا من السعوديين باتوا مستقرين في الخارج بسبب انسداد الأفق الوظيفي في الداخل.
فرص “نظرية” لا وجود لها على الأرض
في المقابل، شدّد مغردون آخرون على أن حديث “الفرص المتاحة” لا يعكس الواقع. وقال أحدهم إن المشكلة ليست في الشباب السعودي ولا في وطنيتهم، بل في أن الوظائف الموعودة غير موجودة فعليًا، أو تُعرض برواتب ضعيفة لا تتناسب مع كلفة المعيشة، أو تذهب في نهاية المطاف للعمالة الوافدة.
وأضاف: «لو كانت الفرص حقيقية وعادلة، لما رأينا هذا العدد من العاطلين، ولا من يقضون سنوات في البحث عن وظيفة»، معتبرًا أن الوطنية لا تعني تبرير الخلل، بل مواجهته والاعتراف به.
“نختار الوطن… لكن الوطن لا يختارنا”
عدد من المواطنين عبّروا عن شعورهم بالإقصاء، إذ قال أحدهم: «هو اختار العمل في وطنه، لكنه لم يجد وظيفة»، بينما تساءل آخر بمرارة: «من أبسط حقوقنا كمواطنين أن تكون لنا وظائف في بلدنا، لا أن نهاجر ونتعنى».
ووصل الغضب حدّ مطالبة بعض المغردين المسؤولين بعدم الحديث عن ملف الوظائف ما لم يكن مقرونًا بأرقام واضحة وحلول واقعية، معتبرين أن مثل هذه التصريحات تمثّل استفزازًا مباشرًا لشباب يعانون البطالة أو عدم الاستقرار الوظيفي.
خطاب رسمي وواقع مأزوم
يعكس هذا الجدل فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي الذي يروّج لصورة “الفرص المفتوحة” و”الاختيار الحر”، وبين واقع يعيشه آلاف الشباب السعوديين ممن لا يجدون وظيفة، أو يُجبرون على القبول بأجور متدنية، أو يبحثون عن مستقبلهم خارج البلاد.
ويطرح هذا التناقض تساؤلات جوهرية حول سياسات التوظيف، وسوق العمل، وجدوى الحديث عن “الاختيار” في ظل غياب البدائل، وحول ما إذا كانت الدولة مستعدة للاعتراف بأن البطالة لم تعد حالة فردية، بل أزمة بنيوية تتطلب شفافية ومحاسبة، لا شعارات مطمئنة.