مدونات

أبرز محطات الحركات اليسارية السعودية

الكاتب/ة عبدالله الرومي | تاريخ النشر:2022-11-11

 

ظهور الحركات اليسارية في السعودية، سواءً كانت قومية أو بعثية أو شيوعية، يعود لعدة أسباب منها الجمود النسبي الذي يسود النظام الحاكم، باعتباره نظام توارثي. فهذه الحركات التي تؤمن بأن ما تدعو إليه لا يتحقق إلا عن طريق انقلاب على الواقع يشمل جميع مناحي الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية. وهذا ما جعل دولة كالسعودية في ذلك الوقت أرضا خصبة لأفكار هذه الحركات والأحزاب. لكن  هذه الحركات واجهت ضعف في البنية التنظيمية لدى المنتمين إليها.

أستعرض في هذه التدوينة أبرز المحطات في تاريخ هذه الحركات، وما قامت به من أدوار فكرية وسياسية في السعودية منذ بداية ظهور النفط في البلاد.

ما قبل ظهور النفط

من الضروري فهم المناخ التعليمي والاجتماعي للسعودية والمنطقة الشرقية تحديدًا في عشرينات وثلاثينات القرن المنصرم، إذ كان المستوى التعليمي للسكان منخفض بشكل عام في جميع مناطق المملكة بما فيها المنطقة الشرقية الغنية بالنفط. حيث لم تكن هناك أي مدارس أو معاهد أو جامعات قبل ظهور النفط في البلاد، وبالتالي نستطيع القول إن السكان المحليين كانوا معزولين ثقافيًا وفكريًا عن دول الجوار فضلًا عن العالم.

أرامكو 

عند اكتشاف النفط في البلاد عام 1938، قامت شركة النفط المحلية التي تم تغيير اسمها لاحقًا إلى (أرامكو) بتوظيف عدد كبير من السكان المحليين غالبيتهم من المنطقة الشرقية. كما تم استقدام أعداد كبيرة من العمالة من فلسطين وسوريا ولبنان ومصر والسودان ليقوموا بشغل عدد من الوظائف التي تتطلّب بعضًا من المهارة، إضافةً إلى قيامهم بتدريب العمالة السعودية التي كانت تفتقر إلى المهارة آنذاك. الوافدون العرب الذين تم استقدامهم كان عددٌ منهم شيوعيين، وبعثيين، وعروبيين وقوميين. انتشرت في تلك الأثناء في مخيمات عمال شركة النفط الأفكار والأيديولوجيات اليسارية و الشيوعية، حيث تم نقل تلك الأفكار والرؤى السياسية من قبل الوافدين إلى العمالة المحلية.

ظهور الحركة العمالية

نما عند عدد من العمال السعوديين الاهتمام السياسي بالأفكار اليسارية، وذلك نتيجة التعليم والتدريب والمخالطة مع العاملين القادمين من البلدان العربية الأخرى. وفي عام 1953م اجتمعت العمالة السعودية وأفضى ذلك الاجتماع إلى انتخاب سبعة أشخاص لينوبوا عنهم فيما سمي بلجنة العمال. 

أخذت تلك اللجنة على عاتقها المطالبة بتحسين وضع العمالة السعودية، وزيادة الأجور، إضافةً إلى المطالبة بحق التنظيم النقابي، الأمر الذي قد يتبعه تطور في المطالب التي قد تمتد للمطالبات السياسية. رأس تلك اللجنة العمالية عبدالعزيز السنيد، و كان أعضاء اللجنة الآخرون: صالح الزيد، عبدالعزيز صفيان، عمر وزنة، عبدالرحمن البهيجان، إبراهيم الفرج، عبدالله الغانم. 

تجاهل مطالب العمال

قامت اللجنة العمالية التي تم تشكيلها بالتواصل مع السلطات السعودية وإدارة شركة أرامكو، و إبلاغهم بأنها لجنة تمثل العمالة السعودية وتعبر عن مطالبهم، لكن اللجنة لم تتلقَ أي رد. بعد ذلك قامت اللجنة العمالية بقيادة عبدالعزيز السنيد بالحوار مع لجنة حكومية سعودية، وتم التفاوض حول المطالب المقدمة من قبلهم. لكن تلك المفاوضات باءت بالفشل إثر تدخل القيادات الأمريكية بالشركة، التي حذرت السلطات السعودية من خطورة اللجنة العمالية، وأن مطالبهم قد تمتد مستقبلًا إلى المطالبات السياسية.

تصاعد الأحداث

استطاع المدراء الأمريكيين استفزاز عضو اللجنة العمالية عبدالرحمن البهيجان بطريقة قادت إلى أعمال تخريبية وشغب في المصفاة، كما يشير كتاب الحركة الوطنية السعودية. على إثر تلك التطورات، قامت لجنة إدارية من أرامكو بنقل الموضوع إلى أمير المنطقة آنذاك عبدالمحسن بن جلوي، الذي وجه في حينه باعتقال كل من عبدالرحمن البهيجان، وناصر السعيد.

أدى خبر اعتقال البهيجان والسعيد لإضراب عدد كبير من العمالة السعودية في الشركة. حيث قام عدد من العمال السعوديين بالإضراب، والتجمع في أحد الطرق ورشق الحافلات التي تحمل الأمريكيين بالحجارة.

تنازل السلطات

أدى ذلك الإضراب إلى الضغط على السلطات السعودية، التي قدمت بعض التنازلات، لكن تم رفض الحق التنظيم النقابي. تمثلت تلك التنازلات في زيادة الأجور بنسبة وصلت إلى عشرين بالمائة، كما تم تزويد العمال بملابس العمل وتوفير الوجبات الغذائية لهم، إضافةً إلى وسائل النقل، و تم أيضا الإفراج عن العمال المعتقلين، وانتهى الإضراب إثر ذلك.

لكن في الوقت نفسه أمرت سلطات البلاد بنفي شخصيتين من أعضاء اللجنة العمالية إلى لبنان، وهم: عبدالعزيز السنيد، وعبدالرحمن البهيجان. أما بقية العمال المشاركين في تلك الأحداث والتصعيد، فتم إرجاعهم إلى قراهم ومدنهم. 

تنامي الوعي السياسي

ظهور حركة العمال وما تبع ذلك من أحداث، ساهم في نشر الوعي السياسي في المنطقة الشرقية خصوصًا وعلى مستوى السعودية بشكل عام.

أيضًا ساهمت كلا من ثورة ١٩٥٢ المصرية وظهور جمال عبد الناصر، وتأميم قناة السويس، ثم حرب ١٩٥٦م، في إحداث أثر فعال في نشر الفكر اليساري والقومي والشيوعي في السعودية. كما أن المدرسين والأكاديميين العرب الذي تم استقطابهم للتدريس في أرامكو وغيرها من الجهات التعليمية في البلاد، والذين كانوا يحملون توجهات سياسية وفكرية يسارية، ساهموا في رفع الوعي السياسي ونقل تلك الأفكار لطلابهم ومتدربيهم.

الحركة العمالية الثانية

في العام 1956 عاد العمال المفصولين من أرامكو إلى أعمالهم بما يحملونه من أفكار، وحتى من لم يعد منهم إلى أرامكو منهم استمر في دعم الحركة العمالية خلف الكواليس.

استأنفت الحركة العمالية عملها من جديد حيث قاموا بتقديم عريضة بها عدد من المطالب العمالية للشركة وللدولة. آنذاك، تطورت المطالب من الحقوق العمالية إلى الحقوق السياسية، التي كانت تميل إلى الفكر السياسي اليساري في ضخم فترة الصراع والحرب الباردة بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة والشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي. 

وباعتبار أن السعودية حليفة للمعسكر الغربي، فإن وجود عدد من الجنود الأمريكيين في الظهران أثار حفيظة المنتمين الحركة العمالية والذين يؤمنون بالفكر الاشتراكي والقومي، مما دفعهم إلى تقديم عريضة تم إرسالها باسم إثني عشر شخصًا إلى الملك سعود تحثه على استبعاد القوات الأمريكية، واستبدالها بقوات عربية من مصر وسوريا.

تم التحقيق لاحقًا مع الذين قاموا بالتوقيع على تلك العريضة، وأوفدت الدولة لجنة دائمة للنظر بقضايا العمل والعمال إلى أرامكو.

تصعيد جديد

قام أعضاء الحركة العمالية بالاحتجاج أمام موكب الملك سعود عندما قام بزيارة المنطقة الشرقية حينها، رافعين شعارات لافتاتهم: ”نريد نقابة،“ وهاتفين بعبارة ”مظلومين مظلومين.“

مطالب المحتجين كان كالآتي: سن دستور للبلاد، السماح بإنشاء الأحزاب السياسية، تشريع حق التنظيم النقابي، إلغاء المرسوم الملكي القاضي بمنع الإضرابات والتظاهر، إجلاء القاعدة الأمريكية في الظهران، وقف تدخلات أرامكو في الشؤون الداخلية للبلاد 

استاء الملك سعود مما حدث، وأمر بعقد اجتماع عاجل لمجلس الوزراء في الدمام واتخذ قرارًا بإنهاء الحركة العمالية. حيث تم اعتقال عدد من أعضاء الحركة، واستمرت حملة الاعتقالات على ثلاث دفعات حتى عام 1957م. 

حركات جديدة

حتى بعد إنهاء الحركة العمالية، استمر ظهور الحركات السياسية، مثل الحزب الشيوعي السعودي، وجبهة التحرير الوطني، والجبهة الوطنية الديمقراطية، وحزب البعث السعودي. استمرت هذه التنظيمات في نشاطها داخل السعودية وخارجها، حيث قام بعضها بالعمل المشترك مع أحزاب وتنظيمات عربية.                       

الأمراء الأحرار

أعلن الأمير  طلال بن عبدالعزيز وبعض إخوانه عن دعوتهم لتغيير أوضاع الحكم السعودي، حيث تنازلوا حينها عن جزء مخصصاتهم لينتقلوا بعد ذلك إلى مصر حيث تمت تسميتهم بالأمراء الأحرار. كان الأمير طلال أحد الأمراء المؤثرين داخل العائلة الحاكمة السعودية، ومن الداعين لتغيير نظام الحكم ليكون شبيهًا بالأنظمة الغربية.    

فقد فرغ الأمير طلال في 1960م من مشروع طرح دستور جديد للدولة كما يذكر محمود عبدالغني صباغ في مدونته. قام بصياغة مسودة الدستور طيلة عامين خبراء و مختصين حقوقيين مصريين، وتم إصدار المسودة باسم ”النظام الأساسي للحكم“، ولم يتم تسميتها بالدستور وذلك خوفًا من التصادم مع رجال الدين. لكن مشروع الدستور الجديد سقط بكل ما حمله من ملامح ووعود ديموقراطية، نتيجة التجاذبات السياسية الداخلية وارتباطاتها بالقوى الخارجية في صراعاتها الإقليمية.    

التيار الناصري

في عام 1966 تأسس اتحاد شعب الجزيرة العربية بزعامة ناصر السعيد، كما تذكر عهود اللامي في مقالها.

وكان اتجاه الاتحاد قوميًا ناصريًا، وكان ناصر السعيد قد أرسل عدد من المطالبات للدولة، ولم يتم الاستجابة لمطالبه، حيث تمت مطاردته فقضى 25 عاماً من عمره منفيًا خارج البلاد، واستمر بالاحتجاج على السلطات السعودية عبر المنشورات والبرامج الإذاعية حتى اغتياله.

الخاتمة

توثيق تاريخ الحركات اليسارية في السعودية في كشف وفهم أبعادها عملية مهمة عند كتابة التاريخ الوطني للنظام السياسي الحاكم في السعودية. حيث يحاول هذا النظام فرض تاريخ المنطقة وتسجيله باعتباره تاريخ قبائل سيطرت وحكمت هذا الإقليم من الوطن العربي. ويحاول أن تربط التطور التاريخي لهذه المنطقة بحكام بعينهم، إذ يتم إبراز دور الحاكم باعتباره صانع التاريخ الوطني، ومن هنا انبثقت أهمية توثيق الحركات السياسية كونها ساهمت في صناعة التاريخ الوطني.