مقالات

الموجة الحمراء.. حين قرر الأتراك التغيير!

الكاتب/ة عبدالله عمر | تاريخ النشر:2024-04-04


ليلة تاريخية عاشتها تركيا مساء يوم الأحد 31 مارس، حين أُعلنت نتائج الانتخابات المحلية وكشفت عن أكبر انتصار للمعارضة التركية منذ عقود وهي كذلك أقسى وأكبر هزيمة للرئيس أردوغان وتحالف حزبه والحركة القومية منذ وصوله للسلطة، وعندما نقول المعارضة فنحن نتحدث بالتحديد عن "حزب الشعب الجمهوري - CHP" وهو أكبر أحزاب المعارضة، ويعتبر الحزب المؤسس للجمهورية التركية، والخصم التقليدي لحزب العدالة والتنمية الحاكم، أما بقية الأحزاب المعارضة سواءً القومية منها كالحزب الجيّد وحزب الظفر الفاشي فقد فشلت فشلاً ذريعاً رغم جعلهم لقضية اللاجئين والأكراد محور حملاتهم الانتخابية، أو تلك المحافظة والليبرالية، كحزب المستقبل الذي يقوده رئيس الوزراء السابق داوود أوغلو وحزب الديمقراطية والتقدم الذي يقوده الوزير السابق علي باباجان، وكلاهما أعضاء سابقين في الحزب الحاكم وانشقوا عنه بسبب ما اعتبروه تنامي نزعة الاستبداد لدى حليفهم السابق أردوغان والتي ظهرت بوضوح في مشروع التحول للنظام الرئاسي على الطراز التركي حيث هُمّش البرلمان ولم يعد ذو فاعلية، وملفات أخرى أظهروا فيها اختلافهم مع قيادة أردوغان ومنها السياسات الخارجية، ورغم أن البعض كان يعول عليهم في تفكيك قاعدة أردوغان التقليدية إلا أنهم فشلوا ولم ينجح معظمهم في تجاوز حتى نسبة 1%، وعلى العكس جاءت المفاجأة من حيث تفكيك هذه القاعدة من حزب "الرفاه من جديد" والذي يقوده نجل الراحل أربكان ويعد في أقصى الأحزاب المحافظة ويتبنى أفكار اليمين المتطرف، واشتهر برفضه للقاحات أثناء الجائحة، وهو الحزب الذي تحالف العام الماضي مع أردوغان لكنه قرر الدخول منفرداً هذا العام وقد حقق مكاسب محدودة لكنها كبيرة مقارنة بعمره القصير والضغط الذي واجهه حتى اللحظة الأخيرة من الإعلام المقرب من الحكومة التركية لينسحب لصالح مرشحيهم، وسبب نجاح هذا الحزب في اختراق قواعد أردوغان بالإضافة للقضايا الاقتصادية، فقد جعل الحزب غزة واستمرار التجارة مع الاحتلال في محور حملته الانتخابية واستطاع جذب قطاعات واسعة من المحافظين الغاضبين من سياسات أردوغان، مما جعله ثالث أكبر حزب في تركيا من ناحية الأصوات وعدد الأعضاء، ويمثل صعوده تحدي رئيسي لمستقبل حزب أردوغان، حيث يعتبره البعض وريثه المستقبلي وقد يكون كذلك..


أما المفاجأة الكبرى في هذه النتائج، فهي أن حزب الشعب الجمهوري "حزب المعارضة الرئيسي" أصبح الحزب الأول وبنسبة 37.76 بالمئة في عموم تركيا، وهذا أضخم وأكبر انتصار للمعارضة عامة وللحزب بالتحديد منذ عام 1977 بحسب مراقبين، وبات الحزب اليوم يحكم بلدياً ما يمثل نحو 64% من سكان تركيا و80% من حجمها الاقتصادي بما في ذلك العاصمة أنقرة ومدن إسطنبول وازمير وبورصة وغيرها، وبات الجميع تقريبا يتعاملون معه على أنه الحكومة المستقبلية، إن حدثت انتخابات مبكرة كما تطالب المعارضة اليوم باعتبار النتائج تعد بمثابة سحب ثقة من السلطة الحالية، أو إن حدثت في 2028 وفي ذلك تعقيد آخر حيث لا يستطيع حينها أردوغان الترشح دون تعديل دستوري أو انتخابات مبكرة وكلا الخيارين بحاجة لمواقف أغلبية معينة من البرلمان لا يمتلكها التحالف الحاكم ولضمان ترشح أردوغان حينها هو بحاجة لدعم من أصوات المعارضة ليتمكن من الدعوة لانتخابات مبكرة يترشح فيها أو تعديل دستوري، وبدون أصوات المعارضة لا يمكنه الترشح لولاية أخرى، ولا أظن أن المعارضة ستمنحه هذه الفرصة، خصوصا وهي تعلم أن لا أحد في حزبه يتمتع بكاريزميته وبالتالي من المرجح أن ينهار حزبه بمجرد رحيله عن السلطة، ولا زال الوقت مبكر للتوقع في هذه القضية، لكن هذه النتائج بالتأكيد غيّرت مسار السياسة التركية، ووضع حد لمسار "روسنة" تركيا، وعطلت المسار الذي أراد التحالف الحاكم بدايته بانتصارات محلية ساحقة ثم بدستور جديد يمررونه باستغلال هزيمة المعارضة وضعفها وتفككها، لذلك تعد هذه النتائج أكبر من مجرد نتائج بلديّة أو حتى رسالة غضب، وخسارة أردوغان وإن حاول التقليل منها فإنها أكبر مما حاول أن يقول في خطاب القبول بالهزيمة، لاسيما أنه يعيش نهاية مراحل حكمه وكان بحاجة لانتصارات كبيرة لتمهيد الطريق للمستقبل، والخيارات الآن أمامه صعبة والتحديات كثيرة والمرجح أنه لن يستطيع تجاوزها، وبالتالي سيضطر لتمهيد الطريق لمن سيأتي بعده.. وهذا تحدي ضخم، فلا أحد في حزبه ولا تحالفه يتمتع بشخصية شبيهة به ولا بزخم مماثل وعلى الأرجح سينهار حزب العدالة بمجرد رحيله عن السلطة، وسيتوزع إرثه على عدة أحزاب محافظة، وأما تبعات انتصار المعارضة، فهي كثيرة، ولعل أهمها استعادة الأمل الذي فقدته جماهيرهم بعد الهزيمة غير المتوقعة التي تعرضوا لها رئاسياً وبرلمانياً العام الماضي، وهم اليوم يتحدثون عن الأمس بوصفه مجرد بداية في طريقهم نحو السلطة، ويبدو أن عقدة الـ 25% قد انتهت، وإذا لم يرتكبوا أخطاء وقدموا نموذج ناجح في الإدارة فإن فوز الأمس سيكون نواة نصر ساحق للغد.

ويبقى السؤال.. من الفائز الأكبر؟

لا شك أن المعارضة وتحديدا حزب الشعب الجمهوري فازت فوزا كبيراً ولكن قبلها، الشعب التركي فاز بالتغيير السلمي والديمقراطي، بما فيهم أنصار التحالف الحاكم الذين سئموا ثقة حزبهم بالفوز دائما وفقدان الحافز للعمل، والديمقراطية التركية فازت -برغم النواقص- بإثبات قدر جيد من تمثيل إرادة الناس، لكن مع فوز كل هؤلاء.. هناك فائز أكبر خرج من ليلة الأمس بوصفه الرجل الأقوى في تركيا وربما الرئيس القادم.. وهو عمدة إسطنبول أكرم إمام أوغلو، فلماذا القول أنه الفائز الأكبر؟

لم تنجح إدعاءات الفساد والإرهاب والشيطنة بالعلاقات مع الأكراد ومحاولة إثارة الأقليات ضده في وقف الصعود التاريخي لإمام أوغلو، ويبدو أنه يثبت هنا مقولة أردوغان الشهيرة أن الفوز بإسطنبول يتبعه الفوز بتركيا، وكأنه يكرر مسيرة صعود أردوغان بداية ببلدية إسطنبول وإنتهاءً  بالرئاسة، ولصعوده قصّة طويلة حولته من شخصية عادية يرأس بلدية صغيرة تابعة لاسطنبول إلى عمدة أهم مدينة تركية وزعيم للمعارضة بكل خلافاتها وانقساماتها.


بدأت نقطة التحول بعد هزيمة 28 مايو الماضي، حين أضاعت المعارضة التركية أفضل فرص الوصول للسلطة بسبب اختيارها لمرشح ضعيف لا يرقى للمواجهة مع شخصية بحجم أردوغان، قاد بعدها امام اوغلو حركة تغيير ملهمة داخل حزبه، وطالب بالنقد الذاتي ومعالجة الأخطاء وقال في خطاب شهير آنذاك "لا يمكن لحزب الشعب الجمهوري ولا ينبغي له أن يخسر الانتخابات بعد الآن.  ولا يستطيع حزب الشعب الجمهوري، ولا ينبغي له، أن يتباهى بكونه الحزب الثاني، ومن الضروري أن تفوز المعارضة الاجتماعية والسياسية بقيادة حزب الشعب الجمهوري في الانتخابات المحلية أولا ثم في بتركيا كلها" وانتهت هذه الحركة بمؤتمر تاريخي لحزبه فاز به حليفه أوزغور أوزال برئاسة الحزب وبدأ بإجراء إصلاحات عديدة، تحت شعار "التغيير في حزب الشعب.. التغيير في تركيا" بهدف تحويل الحزب لحزب يساري يتبنى "الديمقراطية الاجتماعية" وتم تصفية الشخصيات المثيرة للجدل والانقسام، وقدموا مرشحين مؤهلين للانتخابات المحلية وبرامج واقعية واليوم يحصد الحزب ثمار هذه الحركة بفوز غير مسبوق جعله الحزب الأول في كل تركيا.. وبذلك زادت قوة إمام أوغلو داخل حزبه بوصفه صانع التغيير ومهندس النجاح الذي تحقق.


وفي إسطنبول، لم يكتفي بالفوز بإعادة انتخابه بفارق تاريخي للمرة الثالثة، رغم دخوله مرشحاً عن حزبه فقط وبدون أي تحالف مع أحزاب أخرى، ورغم أن حلفاءه السابقين قدموا منافسين له، ورغم قوّة منافسه الرئيسي المدعوم من أردوغان وارتباطه بقضية هامة في تركيا كملف الزلازل، ووقف أردوغان بكل ثقله وراءه، حتى أنه أرسل وزراء حكومته كلها لشوارع إسطنبول للدعوة للتصويت له ضد امام اوغلو، ورغم كل ذلك، استطاع أكرم الفوز بفارق نحو 10 نقاط! بل وفاز أيضا بأغلبية مجلس إسطنبول ومناطقها، حيث فاز حزبه في 26 منطقة من أصل 39 وفاز حزب العدالة في 13 منطقة فقط ومن المفارقات في هذا السياق، أن البلدية التي يتبع لها أردوغان في إسطنبول ويصوّت فيها انتزعتها المعارضة بالأمس وبالأغلبية!

وبذلك، رسّخ أكرم إمام أوغلو صورته، باعتباره الرجل الوحيد الذي لم يخسر أبدا، وفاز على أردوغان ثلاثة مرات، وهو الآن زعيم المعارضة الذي فاز بالأغلبية في مدينته وجعل حزبه الأول في كل تركيا، وهو الأقوى بدون تحالفات، فقد فاز بفارق نحو مليون صوت، صوت له اليمين واليسار المحافظون والعلمانيون، وأرى أنه نموذج شبيه بشخصية الرئيس الفرنسي الحالي "ايمانويل ماكرون" وإذا لم يستخدم أردوغان القضاء لإقصاءه فإنه سيكون -بلا منازع- المرشح الأوفر حظًا في أقرب انتخابات رئاسية قادمة.


أختم برسالة للاجئين العرب في تركيا، حان الوقت لفتح قنوات اتصال مع إمام أوغلو وحزبه والمعارضة بشكل عام، خصوصا اليسار والأكراد والمحافظين المعتدلين، وضع كل "البيض" في سلة خاسرة وتوشك أن تنتهي يضر بكم، والنتائج بالأمس أسقطت كل الأحزاب التي جعلتكم محور حملاتها، وهذا يؤكد أن ما يحفز "العنصرية" ضدكم هو ارتباطكم الكلي بأردوغان وتحالفه، فأصبح الغضب الموجه لهم موجه لكم، بصورة أشد وأقسى احيانا، ولتجاوز هذا هناك حاجة للانفتاح على الجميع وبناء علاقات مع الكل، والتخفيف من حالة الانحياز بحق وبدون لأردوغان وحزبه وتحالفه، فلذلك ضرر كبير عليكم قبل الآخرين، فإن وجدكم حائلاً بينه وبين الرئاسة سيجعلكم كبش فداء ليسحب الملف من المعارضة، وقد حدثت بعض البوادر الفترة الماضية، في مقابل تخويفكم بالآخرين، وتخويف الآخرين بكم، كما يحدث الآن، والانغلاق والاكتفاء بأردوغان يجعل مصيركم مصيره وأي ضرر له سيشملكم للأسف، لذلك الحوار مهم، وتجنب الانحيازات في معارك داخلية مهم، خصوصا إن كانت خاسرة، فلماذا تجعلون مصيركم مصيرها؟ لعل العقلاء يدركون ذلك ويبدأون في محاولة تجاوز الإشكاليات الناتجة عنه، وإنهاء القطيعة مع الآخر، بدلا من الانشغال بالتبرير للهزيمة أو البكاءيات وشيطنة المعارضة كما يفعل الذباب العربي مع خصومه!

ونبقى على أمل.. أن نكتب يوماً ما ونحلل ونقرأ في نتائج انتخابات بلداننا ومدننا في كل الدول العربية المحرومة شعوبها من حقها الأساسي والإنساني البسيط في المشاركة في إدارة وصياغة السياسات التي تحكم مدنهم وبلادهم، وفي هذه القراءة وتناول تجارب الشعوب الأخرى، إفادة وإلهام وأيضا تذكير بأهمية الديمقراطية وبأهمية الإدارة اللامركزية، متمثلة بحق سكان كل مدينة في انتخاب إدارتها ومجلسها "البرلمان" الذي يدير شؤونها كما تفعل أي أمة حرّة، وهذا هو طريق المستقبل، مهما طالت بأمتنا عهود الظلام!