مقالات

الحداثيون في خدمة الحاكم المتغلب

الكاتب/ة مروان النجدي | تاريخ النشر:2025-03-19

انتقائية القراءة وإعادة إنتاج الفكر السلطوي  

أليس من المثير للانتباه أن أولئك الذين كانوا بالأمس القريب لا يعيرون اهتمامًا جادًا للتراث الإسلامي، بل يرونه عائقًا يقف في وجه الحداثة والتقدم، باتوا اليوم يتزاحمون على إعادة تأويله وتفسيره من جديد؟ كيف أصبح هذا الماضي، الذي اعتبروه طويلاً مجرد خرافة رجعية، مادة أساسية في خطابهم الفكري؟

نحذّر بوضوح من أن هذه القراءات التي تدّعي الموضوعية والحياد، وتغلف نفسها بشعار «التحقق العلمي»، لا تعدو أن تكون قراءات منحازة وانتقائية، تختار من التاريخ ما يناسب تصوراتها المسبقة، وتستبعد ما لا يخدم أغراضها. إن غايتها الأساسية ليست كشف حقائق التاريخ، بل دعم فرضية مسبقة بأن الدولة لا تستقر إلا بالسلطة القمعية والحاكم المتغلب. ومن خلال هذه القراءة الانتقائية، يتم اختزال التاريخ إلى سلسلة من الوقائع الجافة، بمعزل عن السياقات النفسية والعقائدية والروحية التي صنعت الفعل التاريخي وأثرت في حركته.

من المحزن أن من كانوا يُنتظر منهم أن يُعيدوا بناء وعي جديد قادر على تحرير المجتمع من الجمود الفكري، أصبحوا الآن يُكرّسون ذات الأدوات التي استُخدمت في السابق لخدمة السلطة القمعية. لقد فقد هؤلاء المثقفون استقلاليتهم الفكرية، وتحوّلوا من دعاة للتنوير والتجديد إلى أدوات تبريرية تساهم في إعادة إنتاج الفكر السلطوي ذاته، مما يضع المجتمع في مأزق خطير؛ إما أن يستسلم لهذه النزعة السلطوية، أو أن يواجه خطر فقدان الهوية والتاريخ تمامًا.

والأخطر من ذلك، أن هذه النزعة لا تقتصر على نقد التراث من موقع علمي أو فكري مجرد، بل تخفي مشاعر كراهية مضمرة تجاه الهوية الجمعية والتراث ذاته، لتجعل الانتماء إلى التاريخ مصدرًا دائمًا للاتهام والتشكيك. إن هذه القراءة التي تقدم نفسها كعملية تحقيق موضوعية في الوقائع، تتجاهل في حقيقتها الجوانب الإنسانية والنفسية والعقائدية، وترى الماضي مجرد سلسلة من اللحظات الضرورية التي لا يمكن فهمها إلا بمعايير سلطوية باردة، مما يُفقد التاريخ جوهره الإنساني العميق.

لقد دخلنا في دوامة قاسية من الفراغ الفكري، وفي هذا الفراغ يتجلى بشكل واضح فشل النخبة الفكرية في أداء دورها الحقيقي. فبدل أن تعمل على خلق أفق فكري بديل ومفتوح، وتقديم رؤى تحررية جديدة، نجدها اليوم تبرر الواقع السلطوي وتمنح الشرعية للسلطة القائمة، وتستخدم التاريخ ذاته كمبرر للقمع والسيطرة وإسكات الأصوات الحرة. في هذه اللحظة الفارقة من التاريخ الفكري، لم يعد ممكنًا أن نغض الطرف عن هذا التواطؤ الصريح بين السلطة والمثقف، ولا عن هذا الاستخدام المتعمد للتاريخ والذاكرة كأدوات للسيطرة.

إننا بحاجة ماسة اليوم إلى التدخل النقدي الواعي لإعادة تأصيل الذاكرة والوعي، ومواجهة تلك القراءات التي تُصادر حق الناس في تاريخهم. إن مسؤولية المثقف اليوم تكمن في استعادة دوره كصوت للوعي لا أداة للقمع، وذلك عبر كشف هذه النزعة الانتقائية ومواجهتها، والعمل على خلق منهجيات جديدة تُعيد إلى المجتمع حقه في امتلاك ذاكرته كاملة دون حذف أو تزييف.

هذا النضال الفكري يجب أن يرتكز على تطوير مناهج تحليلية قادرة على استيعاب التاريخ بكافة أبعاده الإنسانية والاجتماعية والعقائدية، بعيدًا عن الآليات السلطوية التي تختزل التاريخ في مجرد وقائع لا روح فيها. ويجب أن يسعى المفكرون إلى خلق ثقافة نقدية مجتمعية تؤكد على التعدد والحرية والوعي، ثقافة قادرة على مقاومة هيمنة القراءات السلطوية، وتفتح الأفق نحو بناء وعي تحرري متجدد.

لا ينبغي أن نستسلم لهذا الواقع الذي يُفرض علينا تحت شعارات زائفة، ولا أن نسمح بتسطيح التاريخ وإفراغه من محتواه الروحي والإنساني، بل يجب أن نصرّ على رؤية التاريخ في شموله وتعدده، كفضاء غني بالتفاعلات الإنسانية، لا مجرد سلسلة من الأحداث الضرورية التي تبرر واقعًا قمعيًا ما يزال يُعاد إنتاجه إلى اليوم. هذه المهمة ليست خيارًا، بل هي واجب أخلاقي وفكري ووجودي، من أجل استعادة التاريخ كحقل مفتوح للوعي والتنوير، لا كساحة صراع تنتصر فيها دائمًا ذات السلطة التي نطمح لتجاوزها.


إعادة تأويل الفتنة الكبرى وفق منطق الضرورة السياسية

هناك قراءة حديثة تُحاول إعادة تأويل الفتنة الكبرى، بدءًا من مقتل عثمان وحتى خلافة معاوية، وكأنها نتيجة حتمية فرضها توسع الدولة الإسلامية، لا أكثر ولا أقل. وفقًا لهذه القراءة، لم يكن هناك أي بُعد ديني أو قيمي أو حتى سياسي بمعناه الأوسع، بل مجرد اضطراب طبيعي في بنية السلطة بسبب التحولات الجغرافية والاقتصادية. التناقضات القبلية والاستياء من احتكار قريش للحكم يُقدّمان هنا على أنهما العامل الأساسي الذي أدى إلى اندلاع الفتنة، مما يجعل خروج بعض القبائل ضد عثمان وكأنه لم يكن سوى تعبير عن رغبتهم في حصة من الحكم، وعليه، يصبح عليّ الخيار الطبيعي لتوازن القوى، وليس لأنه كان يُمثل نموذجًا أخلاقيًا أو دينيًا مختلفًا.

لكن هذه القراءة تُهمل شيئًا جوهريًا: إذا كان التاريخ كله مجرد صراع قبلي، فكيف نفسر إصرار بعض الصحابة على مواقفهم حتى عندما كانت ضد مصالحهم المادية المباشرة؟ كيف يمكن أن نفهم خيار عليّ في رفض مبايعة معاوية بالقوة، رغم أن ذلك كان سيُجنّب الأمة حربًا طاحنة؟ كيف يمكن أن نُفسّر تردد بعض الصحابة في اتخاذ مواقف حاسمة، لو كان الأمر مجرد صراع على السلطة؟ هذه الأسئلة تكشف هشاشة هذا المنطق، وتُظهر أن الفتنة لم تكن مجرد اضطراب قبلي، بل كانت صراعًا حقيقيًا بين رؤى مختلفة لمستقبل الدولة الإسلامية.

إن تحويل الفتنة الكبرى إلى معادلة مادية بحتة يُفرغها من محتواها الحقيقي، وهو أن الذين تورطوا فيها لم يكونوا مجرد قادة قبائل يبحثون عن النفوذ، بل كانوا شخصيات تحمل تصورات مختلفة حول معنى الحكم، وحول الطريقة التي يجب أن يُدار بها المجتمع الإسلامي الناشئ.

هذه القراءة، رغم أنها تُقدَّم في إطار "تحليل علمي"، إلا أنها ليست سوى إعادة إنتاج لنموذج السلطة المتغلبة، حيث يصبح التاريخ مجرد سلسلة من الأحداث التي لا تحكمها سوى القوة. كل المعاني التي يُمكن أن تُستخرج من هذه الأحداث – من الشورى إلى العدالة، ومن الالتزام بالمبادئ إلى التضحيات الشخصية – يتم إلغاؤها لصالح تصور يُبسط كل شيء إلى معادلة ميكانيكية: الأقوى ينتصر، والبقاء للأصلح، ومن لا يملك السلطة لا يملك حتى حق الاعتراض.

لكن هذا المنطق يحمل في طياته تناقضًا صارخًا. فإذا كانت الفتنة مجرد انعكاس لتناقضات قبلية طبيعية، فكيف نُفسر موقف الصحابة الذين قاتلوا مع عليّ رغم أن فرص انتصارهم كانت ضئيلة؟ وإذا كان معاوية انتصر لأنه كان الأقوى، فلماذا لم يقبل عليّ بالأمر الواقع ويُساوم على السلطة بدلاً من أن يخوض حربًا يعرف أنها قد تكون طويلة ومرهقة؟ 

هذا ما يجعل هذه القراءة غير نزيهة: لأنها لا تحاول فهم الفاعلين التاريخيين كما كانوا، بل تحاول أن تُعيد تشكيلهم بما يخدم التصور القائل إن السلطة لا يمكن أن تُحكم إلا بمنطق القمع والبطش، وأن الاستقرار السياسي لا يتحقق إلا بإخضاع المجتمع بالقوة.

السقيفة كنموذج مضاد لهذه القراءة
إذا أردنا فهم خطأ هذا التفسير، فإن أفضل مثال يُظهر تهافته هو نموذج اجتماع السقيفة، الحدث الأول الذي شكّل طريقة انتقال السلطة في الإسلام بعد وفاة النبي العربي. فوفقًا لهذه القراءة الوضعية، يُقال لنا إن السقيفة لم تكن سوى أول معركة سياسية في الإسلام، حيث حاولت كل مجموعة فرض سلطتها، وانتهى الأمر بانتصار المهاجرين على الأنصار في اللحظة الأخيرة. لكن هل هذا ما حدث فعلًا؟

السقيفة لم تكن معركة على السلطة، بل كانت اجتماعًا تفاوضيًا حضره أصحاب الشأن، حيث دار النقاش حول مسؤولية الأمة، وليس حول من يُمكنه الاستيلاء على الحكم بالقوة. صحيح أن هناك اختلافات في وجهات النظر، لكن جوهر الاجتماع لم يكن فرض السلطة بالقوة، بل كان مبنيًا على الحوار والإقناع.

الأنصار لم يكونوا في حالة تمرد، ولم يكونوا يسعون إلى الانفصال، بل كانوا يبحثون عن طريقة تُحقق العدالة للجميع، وحين اقتنعوا بحجة المهاجرين حول أحقية قريش في الخلافة، قبلوا بها دون أي صراع دموي. وهذا يُظهر أن هذه القراءة الوضعية تُحاول إسقاط منطق القوة على كل شيء، حتى على اللحظات التي شهدت توافقًا نخبويًا وحوارًا حقيقيًا بين الفاعلين السياسيين. إنها تتجاهل أن هناك محطات في التاريخ الإسلامي لم تكن قائمة على الغلبة، بل على الشرعية السياسية والاجتماعية، وعلى الاتفاق لا على القهر.

إن هذه القراءة التي تُعيد تأويل الفتنة الكبرى بوصفها صراعًا على السلطة، تُناقض نفسها على عدة مستويات.

أولًا، إذا كان التاريخ مجرد صراع قبلي، فلماذا كان هناك من دفع حياته ثمنًا لمواقفه، بينما كان بإمكانه ببساطة أن يتجنب المعركة؟ لماذا لم يقبل الحسن بن علي بالتسوية إلا بعد أن أصبحت الحرب غير مجدية، بينما كان بإمكانه أن يختار التحالف مع معاوية في البداية؟

ثانيًا، إذا كان معاوية قد انتصر لأنه كان الأقوى، فلماذا كانت هناك مقاومة شرسة لحكمه، حتى بعد أن استقر له الأمر؟ لماذا كان هناك من يُصر على أن شرعيته ناقصة، رغم أنه كان الحاكم الفعلي؟

ثالثًا، إذا كان التاريخ مجرد انعكاس للضرورات السياسية، فلماذا لم يُسلم عليّ بالأمر الواقع؟ لماذا رفض البيعة لمعاوية، رغم أن ذلك كان سيوفر عليه وعلى المسلمين معاناة حرب طويلة؟

هذه القراءة ليست بريئةً ولا موضوعية، بل هي محاولةٌ واضحةٌ لمنح الشرعية للحاكم المتغلّب. إنّها قراءةٌ مشبعةٌ بمقاصد سلطوية خفية، تلتقي تمامًا مع خطاب الاستبداد المعاصر، فالهدف واحدٌ وإن اختلفت الأدوات: إقناع الناس بأن العدالة مستحيلة، وأن أي حديثٍ عن الحكم الرشيد أو المشاركة السياسية محضُ أوهامٍ لا تصلح لواقعٍ لا يُحكَم إلا بالعنف والقهر.

هذا النهج في تناول التاريخ لا يختلف كثيرًا عن منطق الطغاة في عصرنا، الذين يروّجون لفكرة أن الدولة لا تقوم إلا على القمع والاستبداد، وأن السلطة العادلة حلمٌ مستحيل التحقق. ورغم تغليف هذا الطرح باللغة الأكاديمية التحليلية، فإنه في جوهره إعادةٌ صارخةٌ لمقولة «أطع ولو جلد ظهرك وأخذ مالك»، لكن هذه المرّة بقناعٍ من العقلانية الزائفة والحيادية المزعومة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف انتهى الحال بأولئك الذين يُفترض بهم الدفاع عن قيم التنوير والحداثة إلى إعادة إنتاج الخطاب السلطوي بهذا الوضوح؟ كيف صار الأكاديمي الحداثي يكرر منطق القمع والاستبداد، ويتبنّى ضمنًا فكرة الخضوع لسلطة القوة باعتبارها قدرًا لا مفر منه، فيختزل التاريخ في أحداثٍ ميكانيكيةٍ تبرر للحاكم المستبد سيطرته المطلقة؟

هذه القراءات في جوهرها لا تحلل التاريخ، بل تُعيد تدوير الاستبداد بصورةٍ مختلفة. ورغم ادعائها أنها تحمي المجتمع من أوهام الحرية، فإنها في الحقيقة تحاصره داخل دوامة القمع، مغلقةً أي أفقٍ للخروج من دائرة العنف السلطوي. أليس من العجيب فعلاً أن يكون لسان حال صاحب هذه القراءة، والذي يُفترض أنه حداثي، هو نفسه لسان حال الفقه السلطاني التقليدي؟

هنا نستحضر مقولة كارل غوستاف يونغ، التي تكشف حقيقة هذا الانقلاب الفكري:
"الاعتناق المخلص للحداثة معناه الإفلاس عن طواعية واختيار."