تقارير

بالاحتيال والتزوير.. هكذا يشتري بن سلمان مكانة الجامعات السعودية في مدرج التصنيفات العالمية

تاريخ النشر:2023-07-31

السلطة السعودية تدير منذ أكثر من عقد لعبة الانتساب لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي للوصول بجامعاتها للتصنيفات العالمية

تتعدد أنواع التصنيفات العالمية لجودة التعليم، أبرزها "تصنيف كيو اس، وموقع شنغهاي، وتايمز هاير إديوكيشن"، ولكل منها آلية عمل مختلفة عن الآخر، منها ما يمنح أعلى درجاته للشهرة الأكاديمية، ومنها ما يخصصها لجودة الأساتذة، ومنها من يعطيها للاقتباسات البحثية والمنظور الدولي للجامعة، بينما تخصص الدرجات الدنيا إلى جودة التعليم والبحث الأكاديمي.

وتصنيف شنغهاي، المعروف أيضًا باسم "التصنيف الأكاديمي للجامعات العالمية"، هو منشور سنوي مرموق يقيس جودة التعليم والبحث في مختلف الجامعات على مستوى العالم، ويعد الصعود في مرتبته أمرًا بالغ الأهمية لرؤساء الأنظمة الحاكمة سواء العربية أو الغربية لاكتساب النفوذ السياسي.

وينظر للتصنيفات العالمية على أنها مجرد خدعة تستخدمها المؤسسات التعليمية لتحقيق شهرة واسعة وجذب الطلبة والأساتذة وتلميع صورتها محليا وعالميا وفي الوسط الأكاديمي، وخداع الشعوب، بالإضافة إلى أنها تفتقر لتقييم حقيقي يقيس جودة التعليم العالي والأوراق البحثية من الناحية العلمية، وهو ما سبق وأكده أحد وزراء التعليم العالي في المملكة السعودية في العهد السابق.

وبالرغم من ذلك، يسعى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتتبوأ الجامعات السعودية موقعًا متقدمًا بين الجامعات العالمية، رغم افتقارها للكثير من المؤهلات التنافسية التي تجعلها في صدارة تصنيف الجامعات عالميا، مستخدمًا طرق ملتوية يغلب عليها الطابع المادي والإغراء بالأموال كما هي عادته دائمًا.

أمر سامي
ويوما بعد يوم يثبت بن سلمان، أنه مصاب بهوس إدراج بلاده في مدرج التصنيفات العالمية، إذ أصدر في 25 يوليو/تموز 2023، قراراً يقضي بتحويل جامعة الملك سعود بالرياض، إلى مؤسسة أكاديمية مستقلة غير هادفة للربح، تحت مظلة الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بدعوى تحقيق "المستهدفات الطموحة" بأن تكون في مصاف الجامعات الرائدة في العالم بحلول عام 2030.

وشمل الأمر السامي أيضا تشكيل مجلس إدارة جامعة الملك سعود إلى برئاسة، يوسف بن عبدالله البنيان، ووزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية نائباً للرئيس، وتشمل عضوية مجلس إدارة الجامعة؛ وزير الاتصالات وتقنية المعلومات، ووزير النقل والخدمات اللوجستية، ووزير الصناعة والثروة المعدنية، ورئيس جامعة الملك سعود، وغيرهم آخرين.

وكان بن سلمان قد أعلن في أبرز لقاءاته الإعلامية في أبريل/نيسان 2021، مع عبدالله المديفر، والذي جاء حينها بمناسبة مرور 5 أعوام على إطلاق رؤية 2030، أنه يعمل على جعل جامعة الملك سعود ضمن أفضل 10 جامعات في العالم، متباهيا بأن هناك 5 جامعات في المملكة مصنفة من بين أهم 500 جامعة في العالم.

وجامعة الملك سعود تقع في الرياض، وأنشئت كأول جامعة في المملكة السعودية ما بين عامي 1957 و1958، بموجب المرسوم الملكي رقم (17) الصادر في 21/4/1377هـ، الموافق 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1957، وبدأت الدراسة فيها بافتتاح كلية الآداب عام 77/1378هـ، الموافق ١٠ يناير/كانون الثاني 1959.

أما يوسف البنيان (61 عاما) المكلف برئاسة الجامعة فهو وزير التعليم منذ 27 سبتمبر/أيلول 2022، وكان نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة سابك، وحصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1987، ودرجة الماجستير في الإدارة الصناعية عام 1996.

وانتقل البيان من قطاع البتروكيماويات إلى قطاع التعليم محافظا على استثماراته، وصنف ضمن قائمة أقوى الرؤساء التنفيذيين بالشرق الأوسط لعام ٢٠٢١ بحسب قائمة مجلس فوربس العالمية، لكنه بلا خلفية عن التعليم والعمل الجامعي، وحياته العملية السابقة كانت في شركة سابك التي تنشط في البتروكيماويات والمبلمرات الصناعية والأسمدة والمعادن.

ولذلك أثار تعيين البيان وزيرا للتعليم علامات استفهام كثيرة، وعده مراقبون بمثابة رسالة للقطاع التعليمي المعتمد في إنفاقه على الدولة، والمتأخر في تحقيق المستهدفات من رؤية بن سلمان، بأن لغة الأرقام هي الفيصل لا البحوث، والأوراق العلمية، والندوات التعليمية، لافتين إلى أنه كلف بهذا المنصب لأنه صاحب فكر تجاري ومؤهلات تتماشى مع مشروع رؤية خصخصة التعليم.

فضائح وتلاعب
وعلى مدار شهري أبريل/نيسان، ومايو/أيار 2023، فتحت وسائل إعلام غربية ملف عن دور الأموال السعودية في دفع الباحثين بالجامعات الأوروبية لتغيير انتماءاتهم الأكاديمية لصالح جامعات سعودية، بهدف رفع تصنيف مؤسسات التعليم العالي السعودي في جداول التصنيف العالمية للجامعات التي تأخذ في الاعتبار تأثيرات الاقتباس لباحثي المؤسسة.

وكانت صحيفة "إلبايس" الإسبانية قد سلطت الضوء في أبريل/نيسان 2023، على ما اعتبرتها "ممارسة احتيالية" تقوم بها المملكة لرفع التصنيف العالمي لجامعاتها، بما يكسبها مزيدا من النفوذ العلمي، ومن ثم السياسي، مشيرة إلى بعض العلماء المشهورين في الصين وإسبانيا هم طريق السعودية لتحقيق هذا النفوذ. 

وأوضح التقرير أن إدراج هؤلاء العلماء في قائمة الانتماء الأساسي لجامعات دولة ما يمكن أن يضخم مكانة تلك الدولة في تصنيف شنغهاي بشكل مصطنع، وهو ما مارسته السعودية التي قدمت لباحثين من الصين وإسبانيا أموالًا لتغيير انتماءاتهم الأكاديمية.

وقالت: بينما قبل أكاديميون العروض السعودية، رفضها آخرون مرموقون، بينهم: بلانكا لاندا، وهي باحثة في مجال الهندسة الزراعية بمعهد CSIC للزراعة المستدامة في قرطبة، والتي ذكرت أنها تلقت عرضًا بقيمة 1500 دولار لكل دراسة منشورة من أستاذ في جامعة الملك سعود، مقابل تسجيلها كأستاذة زائرة، مع دفع جميع النفقات، وهو ما رفضته على الفور.  

وأشارت إلى أن العروض المالية السعودية بشأن الدراسات المنشورة تستهدف عاملا ثانيا في رفع التصنيف الأكاديمي لجامعات المملكة، وهو "عدد الدراسات المنشورة في المجلات العلمية المرموقة"، مثل "نيتشر" و"ساينس"، موضحة أن بعض الباحثين واجهوا عواقب ناجمة عن الممارسة غير الأخلاقية، ما أثر سلبا على المجتمع العلمي الإسباني بشكل كبير.

وبعدما رصدت الصحيفة نماذج لأساتذة خضعوا للإغراءات المالية السعودية وآخرين رفضوا الانصياع، وذكرت بأساتذة تسببوا في تراجع تصنيف بلدانهم بعدما غيروا انتمائهم لجامعة الملك سعود، وتعرضوا لعقوبات، أعربت عن مخاوفها من الممارسات الاحتيالية التي ينطوي عليها الانتماءات الأكاديمية الزائفة بين العلماء الإسبان في الجامعات السعودية، داعية العلماء والمؤسسات والجامعات لاتخاذ موقف ضد هذه الممارسات.

الصحيفة ذاتها، كشفت في تحقيق سابق أن أقدم جامعتين في السعودية (الملك عبدالعزيز والملك سعود) تدفعان ما يصل إلى 77 ألف يورو سنويًا لباحثين أجانب، ضمن قائمة كلاريفيت - التي تضم 7 آلاف باحث ويتم تصنيف ترتيب الجامعات حول العالم بناء على عدد المنتمين لها- لتغيير انتمائهم الأكاديمي الأساسي إليها، ما ساهم في صعود ترتيب الجامعتين ضمن أفضل 150 جامعة في العالم.

وفي مايو/أيار 2023، كشفت مجلة "نيتشر" العلمية البريطانية عن تلاعب المؤسسات البحثية في السعودية بالتصنيفات الجامعية العالمية؛ من خلال تشجيع كبار الباحثين على تغيير انتماءاتهم الرئيسية من أجل تحسين تصنيف جامعاتها، مشيرة إلى إغرائها الباحثين البارزين، أحيانا عبر المال وغالبا بعرض التزامات ضئيلة عليهم، مقابل تغيير انتماءاتهم الرئيسية لجامعات سعودية.

وقالت إن باحثين بارزين من جميع أنحاء العالم أفادوا منذ أوائل 2010، بأن جامعات سعودية تواصلت معهم، وقدمت لهم عروضا نقدية مقابل تحويل انتماءاتهم، مستشهدة بباحثة في المعهد الكتالوني لأبحاث المياه في جيرونا بإسبانيا، أكدت تلقيها بعد فترة وجيزة من ظهورها على قائمة تصنيف عالمية في 2018، بريدا إلكترونيا من جامعة الملك سعود يدعوها للتعاون.

وأضافت الباحثة: "اعتقدت أنهم يريدون تعاون حقيقي، ولكن بعدما استمريت في التواصل معهم، تلقيت بريدا إلكترونيا يطلب مني بصراحة تغيير انتمائي مقابل المال، ويقول إن انتمائك الأساسي يجب أن يكون هو جامعة الملك سعود، وبمجرد عمل ذلك سوف تتلقين 70 ألف يورو"، مؤكدة أنها رفضت العرض السعودي مباشرة؛ لأنه خاليا من أي محتوى أكاديمي. 

واستندت الصحيفة البريطانية في تقريرها إلى بحث أكاديمية SIRIS المتخصصة استشارات التعليم العالي في إسبانيا، والتي قالت: "لقد وجدنا نمطًا للظهور المفاجئ لانتماء الباحثين إلى المؤسسات السعودية، مردفا: "هذه الانتماءات والممارسات المضللة تغذي الشكوك حول مصداقية العلم".

وبعد ساعات من نشر المجلة البريطانية لتقريرها، كشفت أيضا صحيفة "هولندا تايمز NL Times"، تفاصيل عن عروض مغرية قدمتها جامعة الملك سعود في الرياض لأساتذة وباحثين في جامعة (Wageningen University & Research) في فاخينينجن بهولندا، من أجل تغيير انتماءاتهم عبر الإنترنت لتكون لصالح الجامعة السعودية، ونقل جامعتهم الهولندية كانتماء ثانوي.

وبعد أن استجاب أستاذان هولنديان إلى الجامعة السعودية، أطلقت جامعة (WUR) تحقيقا، وفق ما ذكرت صحيفة "دي فولكس كرانت" التي قالت إن رسالة عبر البريد جاءت لأساتذة هولنديين من جامعة الملك سعود تعرض راتبا قدره 70 ألف دولار سنويا، بالإضافة إلى 50 ألف يورو في تمويل الأبحاث، مقابل تغيير انتماءاتهم العلمية في قاعدة بيانات عبر الإنترنت لصالح جامعة الملك سعود كانتماء أول.

وأوضحت الصحيفة أن بعض الأساتذة ممن وصلتهم رسالة الجامعة السعودية تجاهلوها وتركوها دون رد، بينما قرر باحثين وأساتذة آخرين التعاون معها، ونتيجة لذلك تصدرت جامعة الملك سعود "القائمة المرموقة للباحثين المتميزين" لشركة Clarivate البريطانية، لأن كلما ظهر أستاذ جامعي في هذه القائمة في كثير من الأحيان، كلما ارتفعت الجامعة في تصنيفات شنغهاي المرموقة. 

وأكدت أن هذا بالضبط الهدف طويل الأمد للجامعة السعودية، أي الارتقاء في الترتيب و"زيادة ظهور جامعة الملك سعود على مستوى العالم"، كما صرحت الجامعة في البريد المرسل للأساتذة الهولنديين؛ كما تقول الجامعة السعودية عبر موقعها الإلكتروني إنها تعطي أولوية قصوى لتحسين سمعتها الدولية، عبر "التعاون" مع كبار العلماء.

استنكار وانتقاد
وتُقابل ممارسات السلطات السعودية، برفض وتنديد سعودي، سواء في الداخل أو الخارج، يستخدم البعض في انتقاده النبرة الهادئة المائلة إلى التقليل من قيمة التصنيفات العالمية والرافضة لركض السلطة المبالغ فيه للحاق بركب الجامعات المصنفة عالمياً دون إصلاحات داخلية تجعلها بالصدارة، وبعضهم يلجأ للنقد اللاذع المستنكر لمسلسل الفضائح العالمية.

الباحث السعودي بجامعة الملك عبدالعزيز صخر الهذالي، أدان ممارسة جامعات سعودية للاحتيال لرفع تصنيفها وجعلها ضمن أفضل 150 جامعة في العالم، عبر إدراج علماء أجانب بقائمة الانتماء الأساسي لها دون أن يكونوا ضمن فريقها الأكاديمي في الحقيقة، واعتبرها ممارسات غش يضر بسمعة الأكاديميين والمواطنين السعوديين الشرفاء.

وشدد على ضرورة اجتذاب باحثين من ذوي الاستشهادات العالية بالأوراق العلمية المنشورة، من خلال السماح لهم بالانتقال إلى المملكة والعمل فيها، وليس الاستفادة من أوراقهم عن بعد، مستنكرا الكيفية التي يحصل بها بعض الباحثين الأجانب على التمويل السعودي وإجرائهم لمعظم تجاربهم خارج المملكة، بينما يتقاضى طلاب الدكتوراه الشباب المحليون بالكاد حوالي 450 يورو شهريًا.

فيما كتب الكاتب السعودي والأكاديمي المستقل الدكتور محمد عبدالله الخازم، مقالا في صحيفة الجزيرة السعودية تحت عنوان "تصنيفات الجامعات.. ماذا تريد"، استنكر خلاله هرولة الجامعات السعودية للوصول إلى تصنيفات عالية في مؤشرات التصنيفات العالمية لجودة التعليم، والاشتراك فيها والتفاخر بمن يقدم لها تصنيفاً أو ترتيباً أفضل من غيره.

وشكك في مقاله المنشور في أكتوبر/تشرين الأول 2021، في جدوى التصنيفات وأكد عدم دقتها والتلاعب فيها عن طريق المؤسسات المُصنفة والمصنِفة، وقال إن "باستثناء حجم البحث المنشور عالمياً، يصعب إيجاد معيار عالمي متفق عليه لتأثر عمل الجامعات بالبنى الاقتصادية والسياسية والمجتمعية للبلد الذي تعمل فيه".

وأضاف: "لا يوجد لدينا مؤسسات مستقلة يمكنها إجراء التصنيفات، لذا نكرر مطالبنا بدعم تأسيس مراكز فكر ودراسات مستقلة، والأهم هو تحديد ماذا نريد من التصنيفات وأيها يناسبنا- طالما هي هدفنا- بدلاً من هذا التسوق العشوائي في سوق التصنيفات دون فحص وتدقيق في مصداقيتها ومعاييرها المختلفة وهل تحقق ما نريده أم أنها تمنحنا مراتب تخدعنا وتلهينا عن التطوير الحقيقي".

وكان للكاتب ذاته الذي توقف عن كتابة المقالات في صحيفة الجزيرة، مقالا آخر في أعقاب تصريحات بن سلمان في أبريل/نيسان 2021 السابق الإشارة إليها، تحت عنوان "جامعة الملك سعود: رؤية نحو تحقيق الحلم"، قدم خلاله قراءة حول تطوير الجامعة، كانت نصيحته الأولى عدم القلق أو عدم النظر للتصنيفات في هذه المرحلة لأن ترتيب البيت الداخلي أولى من الركض خلف معايير رقمية.

وأكد الخازم، أن العمل لغرض التصنيف فقط يشكل إعاقة للتطوير الشامل، والجائزة والترتيب المتقدم يأتيان طوعاً كنتيجة محصلة لعمل وتميز يسبقه، مقترحا تأجيل الاهتمام بالتصنيف، مشيرا إلى أن تحويل الجامعة إلى خيرية أو غير ربحية -المعلن مؤخرا-، لا يهم بقدر ما هو مهم استقلاليتها في مواردها وأنظمتها. 

ورأى أن جامعة الملك سعود بحاجة إلى عمل كبير في إصلاح ملفاتها المؤسساتية، الإدارية والاقتصادية، قبل أو بالتوازي مع الملفات الأكاديمية، مستنكرا أن نظامها المالي لا يوجد فيه محفزات (ميزانية تشغيل وأصول واحتياطات واستثمارات) على التنافسية والاستقلالية المالية، ما يعني حاجتها إلى تطوير نظام يشابه أنظمة الجامعات العالمية التي تريد منافستها.

وأكد الخازم، أن نظام الجامعة المالي الحالي لا يختلف عن نظام أية دائرة حكومية بيروقراطية، وأن النظام المالي للجامعات السعودية يجب أن يتم إصلاحه لتكون ميزانيات بناء على مخرجات أو منتجات يتم قياسها، قائلا إن جامعة الملك سعود كنموذج للجامعات السعودية تسير وفق نظرة تقليدية لم تتطور منذ نشأتها فيما يخص مدخلاتها لأعضاء هيئة التدريس.

تلك التقارير أثبتت أن بن سلمان عّمد لاستخدام طريقة مخادعة لتحقيق مأربه في الوصول بجامعة الملك سعود إلى مرتبة عليا في مؤشر التصنيف العالمي تحقيقا لرؤيته 2030 التي مر على إطلاقها سبع سنوات دون تحقيق أهدافها ويجمع مراقبون على أنها "تحتضر"، متجاهلا رفع جودة التعليم، وخلق بيئة تعليمية داعمة، ومحفزة، للأكاديميين والطلبة والموظفين.

كما فشل في استقطاب باحثين وأعضاء هيئة تدريس متميزين، وبات كل من يلتحق بها موصوما بعدم النزاهة وحب المال والحصول على رشاوي مالية مقابل تغيير انتماءه للجامعة، نتيجة الإخفاق في تهيئة بيئة جاذبة للكفاءات البشرية والعقول المميزة؛ وطال الإخفاق بعض الخريجين الذين أصبحوا بلا مهارات فكرية ومهنية وبالتالي بلا وظائف.     

وفي 5 يونيو/حزيران 2011، كتب أستاذ الاقتصاد الزراعي المعروف وعضو مجلس الشورى السابق محمد بن حمد القنيبط، مقالا بعنوان: تصنيف الجامعات و"إعلان الرياض": ذَهَبَت السَكْرَة ... وجاءت الفكرَة"، أعرب فيه عن استيائه الاختطاف الخطير للتوجه البحثي الأكاديمي خاصة في جامعة الملك سعود بهدف القفز على درجات سلالم التصنيفات الدولية للجامعات.

وأشار إلى أن هذا التوجه كان واضحاً وضوح الشمس لوزارة التعليم العالي منذ إعلان أول قفزة بهلوانية لترتيب جامعة الملك سعود على التصنيفات العالمية من المركز القريب من الأخير إلى مركز متقدم جداً "380" خلال أقل من سنتين ثم بعد سنة إلى "164"، معربا عن أسفه الشديد، أن الذي حدث هو العكس تماماً.

واستنكر القنيبط، مباركة وزارة التعليم العالي هذه القفزات البهلوانية في تصنيف وترتيب الجامعات السعودية، بل كان أكبر مسؤول في الوزارة هو الذي يزف بشرى هذه القفزات البهلوانية عاماً بعد عام إلى مجلس الوزراء بمجرد نشر تلك التصنيفات "ويبوميتركس، كيو إس، شنغهاي" على مواقعها الإلكترونية.

وأشار إلى أن جامعة الملك سعود تميزت عالميا بقُدرة عجيبة فريدة في شراء الأبحاث المنشورة في مجلات الـ ISI مثل برامج زمالة عالم وأستاذ زائر وعالم متميز وعلماء نوبل والاستقطاب والكراسي البحثية، لافتا إلى أن جامعة الملك عبدالعزيز تهب 150 ألف ريال لمن ينشر بحث واحد فقط في مجلة نيتشر أو ساينس، وليت الأمر توقف عند الجامعات، بل انتقلت عدوى تلك الهبات المالية إلى مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية.

إرث السلطة
وإذ ينسب هذا العبث الحاصل في الجامعات السعودية من محمد بن سلمان، وجب الإشارة إلى أن التشكيك في نزاهة السلطة السعودية بات أمر متوارث، من عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، فبعدما دأب وزراء التعليم العالي ورؤساء الجامعات على الدفاع عن عدم وجود المملكة ضمن ترتيب الجامعات في التصنيفات العالمية بالتشكيك في نزاهتها وافتقارها لآليات التصنيف الدقيق، لجأت إلى شراء انتساب العلماء.

وهو ما كشفته مجلة ساينس العلمية الأميركية، في مقال نشرته في ديسمبر/كانون الأول 2011 بعنوان "جامعات سعودية تمنح أموالاً في مقابل الاعتبار الأكاديمي"، أن جامعتي الملك سعود في الرياض والملك عبدالعزيز في جدة، تبذلان جهوداً مكثفة للحصول على عقود مع علماء أجانب بهدف تحقيق مكاسب أكاديمية من خلال نشر أبحاث علماء في مجلات البحث العلمي منسوبة إليهم باعتبارهم أساتذة في الجامعتين المذكورتين.

وأضافت أن جامعة الملك سعود نجحت في تسلق ترتيب تصنيف الجامعات العالمية بمئات الدرجات خلال السنوات الأربع الماضية من خلال مبادرات استهدفت بوجه الخصوص إضافة اسم الجامعة إلى المطبوعات البحثية، بغض النظر عما إذا كانت تلك الأبحاث انطوت على أي تعاون حقيقي مع باحثي جامعة الملك سعود.

ونسبت ساينس، إلى أكاديميين داخل السعودية وخارجها تحذيرهم من أن من شأن تلك الممارسات أن تعتم الجهود الحقيقية التي تبذلها الجامعات السعودية للتحول إلى مراكز أبحاث عالمية المستوى، مشيرة إلى أن الحكومة السعودية أنفقت بلايين الدولارات في بناء جامعة الملك عبدالله للعلوم والتكنولوجيا في ثول التي تفاخر بامتلاك أحدث المختبرات في العالم وبتوظيف عشرات الباحثين المميزين كأعضاء في هيئة التدريس بدوام كامل في كلياتها.

وأضافت مجلة «ساينس» أن المبادرات التي انتهجتها جامعتا الملك عبدالعزيز والملك سعود تستهدف تحقيق نتائج في وقت أسرع.

مبررات رسمية
ولجأ وكلاء الجامعتان لتبرير ما جاء في تقارير المجلة العلمية، إذ قال وكيل جامعة الملك سعود حينها، الدكتور علي الغامدي إن المبادرات التي انتهجتها الجامعة في السنوات الخمس الماضية تأتي وفق أسس وممارسات معروفة في كثير من الجامعات العالمية، كبرامج الأساتذة الزائرين والاتصال العلمي والتوأمة البحثية وكراسي البحث العلمي وغيرها من المبادرات والبرامج التطويرية 

أما جامعة الملك عبدالعزيز، فقد اعترفت على لسان وكيلها للدراسات العليا والبحث العلمي الدكتور عدنان حمزة محمد زاهد، بأنها تتبنى منهجاً استثمارياً إستراتيجياً وبدأت منذ مارس/أذار 2010، برنامجا في الرياضيات وبموجبه فإن عدداً من علماء الرياضيات المرموقين والمشهود لهم زاروا الجامعة، وقدموا دورات في موضوعات بحثية راهنة ومعاصرة، وتعاونوا في نشر أوراق بحثية.

وقبل تلك الفضيحة بسنوات قليلة، وتحديدا في نوفمبر/تشرين الثاني 2006، أكد وزير التعليم العالي رئيس جامعة الملك سعود الدكتور خالد بن محمد العنقري، في رده على إثارة مجلس الشورى لمسألة وقوع الجامعات السعودية في المراكز المتأخرة بين جامعات العالم، أن تصنيف الجامعات الدولية لا يعتمد على التقدم الأكاديمي والعلمي للجامعات.

وقال إن تصنيف 3000 جامعة لم يكن اطلاقاً الهدف منه تصنيف الجامعات وفقاً للمستوى الأكاديمي العلمي لهذه المؤسسات، وليس له علاقة بهذا الجانب، وحصر هذا التصنيف للجامعات عبارة عن توضيح للفروق بين عدد من الجامعات من حيث حجم المواد الموجودة في موقعها على الإنترنت، فالجامعات التي لديها بيانات كثيرة قد تكون بحوث علمية وقد تكون تقارير وقد تكون صفحات إعلامية أو أرقاماً، أو جداول، إلخ.

المصادر:

سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء يُصدر أمراً سامياً بتشكيل مجلس إدارة جامعة الملك سعود

Saudi Arabia pays Spanish scientists to pump up global university rankings

التصنيفات العالمية للجامعات.. خدعة أم دليل على جودة التعليم؟

Saudi scientist tells colleagues, ‘Stop this academic fraud’

Saudi universities entice top scientists to switch affiliations — sometimes with cash

تصنيفات الجامعات: ماذا نريد؟

جامعة الملك سعود: رؤية نحو تحقيق الحلم

ولي العهد: لدينا مستهدف أن تكون جامعة الملك سعود من أهم 10 جامعات عالمياً

مجلة ساينس الأمريكية تنشر رد جامعة الملك عبدالعزيز‏

جامعة الملك سعود: معلومات تقرير مجلة (الساينس) غير صحيحة

تصنيف الجامعات و«إعلان الرياض»: ذَهَبَت السَكْرَة ... وجاءت الفكرَة!